استنزاف الموارد وغياب الرقابة

شهدت البلاد عقداً من الحرب الطاحنة التي دمرت الأخضر واليابس، وأفرزت واقعاً حكومياً هشاً وممزقاً. وإذا كان الحديث عن مليشيا الحوثي يمثل كياناً انقلابياً مسلّحاً، فإن المأساة الكبرى تكمن في استشراء الفساد داخل مؤسسات الحكومة الشرعية والمناطق المحررة اليوم.

في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لا يمكن الحديث عن دولة أو قانون؛ فالجماعة تعبث بالمؤسسات وقوت المواطن بشكل ممنهج. لقد انتهكت حرمة الدم والإنسان بلا راعٍ، في ظل غياب تام لأبسط معايير العدالة الإنسانية والقانونية.

لا يستلم موظفو الدولة رواتبهم هناك إلا ما ندر، مما أدى إلى اتساع رقعة الفقر المدقع. ولم تكتفِ المليشيا بتجويع الملايين، بل بلغ بها الصلف تخوين كل من يطالب بلقمة العيش واعتباره عميلاً للخارج.

تتجسد المأساة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في شكل فشل ذريع وفساد منظم ينخر عظام الدولة. وعلى الرغم من شح الموارد الاقتصادية الخانقة، تُهدر الأموال العامة وتُصرف في غير محلها بلا حسيب ولا رقيب.

يتضح هذا الاستنزاف جلياً في الإنفاق على البعثات الدبلوماسية والسفارات بالعملة الصعبة دون مردود حقيقي. إلى جانب الأموال الطائلة التي تُصرف على قيادات الحكومة المتواجدة في الرياض، مع سوء إدارة حاد للموارد بالمحافظات.

كشفت تقارير عن حجم العبث المالي المستشري بالسلك الدبلوماسي اليمني؛ إذ يتقاضى السفير راتباً لا يقل عن 10 آلاف دولار شهرياً. وتتراوح رواتب الملحقين بين 5 و6 آلاف دولار، فضلاً عن النثريات وبدل السفر والمكافآت الضخمة.

يأتي هذا البذخ في الوقت الذي يعاني فيه موظفو الداخل من انقطاع رواتبهم وتفاقم الأزمات المعيشية. نتيجة استمرار صرف هذه المبالغ لأعداد كبيرة من المحسوبين على السلك الدبلوماسي في الخارج بلا أدنى معايير للمساءلة.

وسواء في عدن، حضرموت، مأرب، أو تعز؛ تُصرف الموارد الشحيحة في غير مسارها الصحيح وتبرز ملفات فساد بميناء عدن. ولم يعد السكوت خياراً، حيث يتطلب إنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة تحركاً عاجلاً وحاسماً وفورياً.

أزمة كهرباء عدن، تحولت إلى ثقب أسود يبتلع المال العام بدلاً من كونها أزمة فنية. وقد كشف الجهاز المركزي للرقابة عن هدر مالي تجاوز 8 مليار دولار بسبب صفقات الطاقة المشتراة.

وتُعد هذه المحطات المستأجرة الأغلى من نوعها عالمياً وقد اعتمدت على عقود مباشرة وغياب المناقصات. إضافة لسحب مهمة استيراد الوقود من مصافي عدن وإسنادها لمتنفذين، مما أدى للاحتكار واستنزاف الموارد بتشغيل محطات الديزل.

يتطلب الأمر تفعيل جهاز الرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد وتمكينها من أداء واجباتها في المناطق المحررة. إن وصول الإيرادات والأموال العامة إلى مستحقيها الفعليين هو السبيل الوحيد لوقف الانهيار الاقتصادي.

لم يعد مقبولاً استمرار هذا العبث في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. إن بناء نموذج دولة يتسم بالشفافية في إدارة الموارد، هو الضمانة الأساسية لاستعادة الثقة وإنقاذ الوطن من واقعه الممزق.

يمن شباب نت