عدن التي نريد
"عدن التي نريد" والنموذج الذي ننشده لليمن الكبير. نريدها مدينةً تتنفس برئة المؤسسات، حيث تمارس الحكومة الشرعية مهامها بمهنية تامة وبفاعلية ملموسة، بعيداً عن ضجيج الشعارات.
إن عدن التي تسكن مخيلتنا هي تلك التي نرى فيها هيبة القانون تسبق هيبة السلاح، وحيث تغدو مكاتب الوزارات ومرافق الخدمة العامة خلايا نحل لا تهدأ، لتقدم للعالم رسالة مفادها: هنا بدأت ملامح الدولة، ومن هنا ينطلق قطار الاستقرار.
لا يمكن لعدن أن تنهض وهي مقيدة بتعدد الولاءات العسكرية أو تضارب القرارات الأمنية. عدن التي نريدها تتطلب شجاعةً في تصحيح المسار، عبر توحيد القرار العسكري والأمني تحت راية سيادية واحدة؛ تنضوي تماماً تحت لواء وزارتي الدفاع والداخلية، وبإشراف مباشر من مجلس القيادة الرئاسي.
إن وحدة البندقية هي الضمانة الوحيدة لتحويل عدن من ساحة للتجاذبات السياسية إلى واحة للتنمية والاستثمار، فالتنمية لا تطرق أبواباً يزعزع أمنها الانقسام، والنموذج الذي نرجوه هو مدينة تحمي مواطنيها بقانون واحد وجهاز أمني محترف يحفظ الحقوق ويصون الكرامة.
لا يستقيم بناء المدن دون إنصاف ضحاياها. عدن التي نريد هي المدينة التي لا ينام فيها القاتل طويلاً خلف ستار الإفلات من العقاب؛ هي المدينة التي تفتح فيها ملفات الاغتيالات السابقة بكل شفافية، ويُساق مرتكبوها إلى ساحات القضاء العادل.
إن معالجة القضايا العالقة ومحاسبة من عبثوا بأمن المدينة هو الحجر الأساس لاستعادة ثقة الناس بدولتهم. العدالة هنا ليست انتقاماً، بل هي تطهير لجسد العاصمة المؤقتة من شوائب الفوضى، لترتقي وتصبح نموذجاً يُحتذى به، تماماً كما كانت الحواضر التاريخية منطلقاً للتغيير والتحرير نحو العاصمة صنعاء وكل شبر من تراب الوطن.
عدن التي ننشدها هي المدينة التي يستعيد فيها المواطن كرامته من خلال حصوله على أدنى مقومات الحياة الكريمة كحقوقٍ مكتسبة لا تقبل التأجيل أو المساومة. لا يمكن الحديث عن عدن كعاصمة اقتصادية بينما تفتقر لأبسط مقومات البنية التحتية؛ لذا فإن تصحيح مسار الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، هو المحك الحقيقي لأي توجه جاد نحو بناء الدولة.
مدينة عدن بمواردها الاستراتيجية وموقعها الفريد، تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون مدينةً مضيئة ومنتجة على مدار الساعة، ومن حق أبنائها الذين صبروا طويلاً أن ينعموا بخيرات مدينتهم، وأن تتحول الموارد الاقتصادية إلى خدمات ملموسة تنهي معاناة الصيف وتؤمن شريان الحياة في كل منزل. إن عدن التي نريد هي التي تليق بمكانتها التاريخية، حيث الخدمة فيها واجب وطني، والرفاهية استحقاق شعبي مستدام.
إن مكانة عدن وموقعها تجعل منها مؤهلة لتكون العاصمة الاقتصادية والنموذجية لليمن قاطبة. عدن التي نريد هي التي تفتح ذراعيها لكل أبناء اليمن، من شماله إلى جنوبه، دون تمييز أو إقصاء. هي المدينة التي تستثمر مقوماتها الاستراتيجية لتنعش اقتصاد البلاد، وتكون واجهةً حضارية تليق بتاريخها العريق كمنارة للتنوير والتعايش.
إن استقلال عدن عن التجاذبات السياسية الضيقة ومنحها الفرصة لتقوم بواجبها كقاطرة لليمن الجديد، هو المسار الوحيد لجعلها "النموذج" الذي يُلهم المحافظات الأخرى ويؤكد أن الدولة قادمة، وأن عدن هي عنوانها الأبرز.
يمن شباب نت