تعز: بين فكّي الحصار وخذلان المؤسسات

تستمر تعز، المدينة التي دفعت الضريبة الأكبر من الصمود والتضحية، في خوض معركة يومية لا تقتصر على خطوط النار فحسب، بل تمتد لتطال لقمة عيش المواطن وأبسط مقومات بقائه. نقص في الخدمات، وإهمال إداري، في مشهد يتناوب فيه حصار خارجي جائر من المليشيا الحوثية وقصور داخلي من قبل السلطة المحلية والجهات المعنية.

فحادثة غرق الأطفال في السيول مؤخراً، سلط الضوء على البنية التحتية المتهالكة وغياب التخطيط الحضري. لقد تحولت الطرقات إلى مصائد للأرواح بسبب انعدام الصيانة الدورية لمجاري السيول، والأدهى من ذلك هو الشلل الذي أصاب أجهزة الدفاع المدني التي وقفت عاجزة عن التدخل السريع. هذا العجز يضع ألف علامة استفهام، ويؤكد أن المدينة الكبرى تُدار بإمكانات قرية.

منذ اندلاع الحرب، تعيش تعز في ظلام دامس فرضه غياب التيار الحكومي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لما يُعرف بـ "الكهرباء التجارية". هذه الشركات لم تكتفِ بفرض أسعار خيالية تنهك جيوب المواطنين، بل إنها تستخدم البنية التحتية والممتلكات العامة للدولة لتحقيق أرباح خاصة.

هذا العبث الإداري والفساد المقنن ينهب موارد المؤسسات العامة ويضاعف الأعباء المالية على السكان في ظل غياب أي رقابة حقيقية من الحكومة.

تقف تعز اليوم على أعتاب كارثة مائية غير مسبوقة. فبين حصار مليشيا الحوثي التي تسيطر على الأحواض المائية الرئيسية في منطقة "الحوبان"، وبين تهالك شبكة المياه الداخلية التي تفقد أكثر من نصف كمياتها نتيجة التسرب، وقلة مياه الأمطار، يجد المواطن نفسه ضحية لارتفاع جنوني في أسعار "الوايتات".

إن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية، مثل حفر آبار جديدة أو صيانة الشبكة، ينذر بأزمة جفاف وعطش ستضرب المدينة قد لا تحمد عقباها.

إن كل هذه الملفات المتراكمة تكشف عن حجم "الفراغ الإداري" والترهل المزمن الذي تعاني منه تعز. المدينة لا تحتاج إلى مسكنات أو وعود زائفة، بل هي بحاجة ماسة إلى ثورة إدارية شاملة تستنهض ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتحاسب المقصرين، وتحرر الخدمات الأساسية من سطوة الاستغلال التجاري الذي يقتات على جراح الناس ويحول ممتلكات الدولة إلى أدوات استثمارية خاصة.

لا يمكن لتعز أن تستمر في هذا الوضع المأساوي وهي الكتلة البشرية الأكبر والقلب النابض للمشروع الوطني. إن الحكومة الشرعية والتحالف العربي أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتطلب دعماً عاجلاً لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحركاً جاداً لكسر الحصار عن منافذ المدينة وحقول مياهها، وتفعيل الدور الرقابي. إن تعز التي قدمت قوافل الشهداء تستحق أن تعيش بكرامة، وأن تستعيد حقها في أبسط الخدمات التي سُلبت منها في وضح النهار.

يمن شباب نت