فجوة الثقة بين المواطن والحكومة

تعد الخدمات أولوية قصوى للمواطن، فالناس ينتظرون من الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي خدمات ملموسة على الأرض. لكن الواقع يشهد مآسي حقيقية؛ حيث سقط ضحايا في عدن وحضرموت نتيجة الاحتجاجات الشعبية المنددة بسوء الخدمات وانعدام الكهرباء، في وقت تعاني فيه عدن من انقطاعات متواصلة في ظل موجة حر شديدة.

لقد وصل الحال بالوطن إلى منعطفٍ يستوجب التوقف عن إدارة شؤون البلاد عن بُعد. بات من الضروري أن يغادر المسؤولون والوزراء وأعضاء مجلس القيادة مناطق الراحة في المنافي، ليكونوا في قلب المشهد؛ ملتصقين بهموم المواطن الذي يعاني من انفصالٍ مؤلم بين معاناته اليومية وبين قراراتٍ تُصاغ في أبراجٍ عاجية لا تلامس واقعه المرير.

إن بناء دولة القانون وإرساء دعائم المؤسسات لا يتأتى مطلقاً من وراء الحدود أو عبر اجتماعاتٍ افتراضية تفتقر لروح المسؤولية المباشرة. إن الدولة تُبنى من الممارسة اليومية على الأرض، ومن اشتباك المسؤول مع التحديات في الميدان.

إن إيجاد نموذج للشرعية اليمنية يستعيد ثقة المواطن المنهكة يتطلب حضوراً فاعلاً وميدانياً، عبر تقديم خدمات ملموسة وتحقيق استقرار أمني يُشعر المواطن بالأمان والالتزام الصارم بدفع رواتب الموظفين وضبط الأسعار وسعر الصرف الذي أرهق كاهل الجميع وأوصلهم إلى حافة الانهيار المعيشي.

فتجارب الشعوب تؤكد أن خلق نموذج إداري وخدمي يطمئن الناس ويشعرهم بوجود من يشاركهم خبزهم ووجعهم، هو الوسيلة الأنجع لتوحيد الصفوف حول الدولة، وبرهانٌ عملي على أن القادم هو نظامٌ يحترم إنسانية المواطن، لا مجرد سلطةٍ باحثةٍ عن البقاء.

إن عودة القيادات إلى الداخل ستحدث فارقاً جوهرياً؛ إذ يتحول المسؤول من "متلقٍ للمعلومات" إلى "صانعٍ للحلول"، مما يضفي حكمةً في معالجة الملفات المعقدة. في المقابل، فإن استمرار الجلوس في الخارج يكرس فجوةً سحيقة وقطيعةً تؤدي إلى اتخاذ قراراتٍ سطحية تفتقر إلى فهم عمق الواقع، مما يجعل الدولة غريبةً عن شعبها.

إن العودة إلى أرض الوطن لا تعني الحضور الجسدي المجرد، بل تعني الاستماتة من أجل استعادة الدولة بكل مؤسساتها السيادية والخدمية. يجب أن يرى المواطن أن يد المسؤول تلتحم مع يده في خندق العمل الجاد لاستعادة الحياة الكريمة. إن هذا التلاحم الوجداني هو البرهان الأصدق على جدية القيادة في إنهاء حالة الانفصال والشتات.

يمن شباب نت