مكب الضباب: قنبلة موقوتة
تخوض مدينة تعز، المحاصرة من قبل مليشيا الحوثي منذ أحد عشر عاماً، حرباً صامتة وخفية لا تقل ضراوة عن قذائف الموت. إنها حرب بيئية وصحية تهدد حياة سكانها وتتسع رقعتها يوماً بعد آخر، ومصدرها تراكم النفايات العشوائي الذي بات يطوق المدينة من الداخل ويهدد ما تبقى من مقومات الحياة الأساسية والصحة العامة للمواطنين.
تتمثل هذه الكارثة المتفاقمة في مكب النفايات المستحدث الذي يقع في طريق الضباب، المدخل الغربي والشريان الحيوي الوحيد لمدينة تعز. فبعد أن كان المكب الرسمي والمنظم للمدينة يقع سابقاً في منطقة "مفرق شرعب" بعيداً عن التجمعات السكانية والزراعية ويتم التعامل معه بطرق حرق وعزل معينة، تسبب الحصار وخطوط التماس بقطع الطريق إليه. هذا الأمر دفع بالجهات المعنية إلى اتخاذ قرار عشوائي بتحويل خط الضباب إلى مكب بديل لمئات الأطنان من القمامة اليومية.
تتضاعف خطورة هذا المكب كونه يقع في منطقة زراعية خصبة وبالقرب من التجمعات السكانية والمباني الآهلة بالأهالي، فضلاً عن ملاصقته المباشرة للخط الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة عدن.
هذا الموقع الحساس أدى إلى تراكم القمامة بشكل عشوائي ومخيف، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة نتيجة تصاعد الغازات والأبخرة السامة باستمرار، وانتشار الروائح الكريهة، وتحول المنطقة إلى بؤرة لتكاثر الحشرات والأوبئة القاتلة، فضلاً عن تلوث التربة والمياه الجوفية في وادٍ يُعد السلة الغذائية لتعز.
ولا تتوقف الكارثة عند حدود التلوث البصري، بل تمتد لتضرب عمق الاستقرار الصحي للأسر القاطنة بالقرب من المكب. حيث تُسجل المناطق المجاورة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي كالربو الحاد والتهابات الرئة، ناهيك عن تفشي الحميات كالملاريا وحمى الضنك نتيجة انتشار البعوض والحشرات التي اتخذت من ركام القمامة بيئة خصبة للتكاثر، مما يثقل كاهل المواطن الذي يعاني أساساً من ظروف معيشية واقتصادية بالغة القسوة.
علاوة على ذلك، فإن تسرب عصارة النفايات السامة إلى أعماق التربة يهدد بشكل مباشر بتدمير المخزون المائي الجوفي لمنطقة الضباب، التي تشكل الشريان المائي والزراعي الأهم لتعز. هذا التلوث الصامت يزرع ألغاماً بيئية طويلة المدى ستسمم الغذاء والماء، وتخرج الأراضي الزراعية المحيطة عن الخدمة بشكل نهائي إذا لم يتم تدارك الأمر بشكل عاجل وسريع.
وأمام هذا الخطر البيئي المتصاعد والمستمر في التوسع، يقف المواطنون أمام صمت مطبق وتغاضٍ غير مبرر من قِبل السلطة المحلية. إذ يرى المسؤولون أنه لا يوجد بديل آخر متاح في ظل ظروف الحصار الراهنة، متخذين من غياب البدائل ذريعة للسكوت عن هذه المشكلة المتفاقمة وتجاهل المعاناة اليومية والنداءات المتكررة للأهالي، وهو ما يهدد بمستقبل كارثي يتطلب عقوداً لمعالجة آثاره الصحية والبيئية على الأجيال القادمة.
في ظل هذا الشلل الخدمي، يبرز الغياب التام لأي تقنيات حديثة في التعامل مع النفايات داخل مدينة تعز؛ حيث تفتقر الجهات الرسمية لأبسط أدوات تدوير القمامة أو ردمها بالطرق الصحية والبيئية الحديثة.
ويقتصر التعامل مع أطنان النفايات اليومية المتراكمة في مكب الضباب على عمليات الإحراق المكشوف، وهي وسيلة بدائية تزيد الطين بلة وتطلق في سماء المدينة سحباً سوداء محملة بالمركبات الكيميائية المسرطنة، التي يستنشقها السكان على مدار الساعة، مما يحوّل الهواء النقّي لوادي الضباب إلى سموم غير مرئية.
أمام هذا التردي الكارثي، تعالت أصوات في تعز تطالب بضرورة تدخل المنظمات الدولية المعنية بالبيئة والصحة للضغط على السلطات المحلية وتوفير الدعم العاجل لنقل المكب أو إنشاء خلايا طمر صحي معزولة كحل إسعافي مؤقت، محذرين من أن استمرار تجاهل هذه النداءات يمثل شرياناً لإنتاج الموت البطيء يهدد بتفشي أوبئة يصعب السيطرة عليها في المستقبل القريب.
يمن شباب نت