تعز والمشهد المقاوم
في تفاصيل المشهد اليمني الممتد عبر سنوات الحرب، لا تبدو مدينة تعز مجرد جغرافية تحيط بها الجبال وتخنقها حصارات الميليشيا، بل تشكّل في جوهرها الراعية الأولى والركيزة الصلبة للشرعية والمشروع الوطني اليمني. فمنذ أكثر من أحد عشر عاماً، تستمر المدينة في كتابة سيرة المقاومة الشعبية بمداد التضحيات اليومية التي لم تتوقف.
لا يمر أسبوع واحد إلا وتدفن فيه المدينة شهيداً على جبهات المواجهة، أو تودع مدنياً غدراً برصاص قناصة ميليشيا الحوثي المتمركزين على المرتفعات المتاخمة لأحيائها السكنية. غير أن هذه الكلفة الباهظة لم تنل من إرادة تعز، بل عززت مكانتها في صدارة المشهد المقاوم الذي انطلق بقوة عام 2015 دفاعاً عن الدولة والجمهورية.
لقد استطاعت تعز، بكثافتها السكانية ووعيها الجمعي، أن تحافظ على ما تبقى من مشروع الشرعية والمؤسسات عندما تهاوت الكثير من البنى الإدارية والتنفيذية. وقد دفعت المدينة وما زالت تدفع ثمن هذه المواقف الوطنية انطلاقاً من إدراك أبنائها لأهمية معركتهم التاريخية.
ورغم الظروف الإنسانية والاقتصادية القاسية، وشح الإمكانيات، وتأخر الرواتب وانهيار الخدمات، بقيت تعز متمسكة بخيار الدولة. ويظهر هذا الانضباط الشعبي جلياً في الحراك الجماهيري المتواصل، حيث تخرج المسيرات الحاشدة لترسيخ الهوية الوطنية وتأكيد إسناد القرارات السياسية السيادية التي تصب في مصلحة بناء المؤسسات والجمهورية.
تتجلى قوة تعز الحقيقية في قدرتها الميدانية على صهر التباينات السياسية والفكرية في بوتقة واحدة. فعندما يستشعر الشارع خطر الميليشيا أو محاولات الالتفاف على المشروع الجامع، تتلاشى الحسابات الحزبية الضيقة لصالح القضية الأكبر.تخرج الجماهير بكل شرائحها، نساءً ورجالاً، كباراً وأطفالاً، نخب أكاديمية وعمالاً، لتجسد لوحة من التلاحم المجتمعي النادر. إن هذا الالتفاف الشامل يعكس قناعة راسخة لدى أبناء المحافظة بأن حماية تعز والدفاع عن هوية اليمن هما خط الدفاع الأول عن مستقبل الدولة اليمنية بأكملها.
إن تجربة تعز الحية تتجاوز مفهوم الصمود الجغرافي؛ فهي تشكل النواة الصلبة التي تذكر الجميع دائماً بأن معركة استعادة الدولة تعتمد في الأساس على حيوية الشارع ووعي الجماهير وإرادتهم الفولاذية في وجه التحديات.
إن حالة الاستنفار المتواصلة في تعز لا تعبر فقط عن رد فعل عسكري تجاه الميليشيات، بل تجسد نموذجاً فريداً للوعي المدني والسياسي المتجذر. فالشارع التعزي يتجاوز التحديات المعيشية الصعبة ليؤكد أن المعركة هي معركة وجود وهوية، وأن الثمن الباهظ الذي يُدفع يومياً هو الاستثمار الحقيقي للكرامة واستقلال القرار الوطني.
تبقى تعز هي البوصلة التي تحدد اتجاه المسار الوطني في اليمن، حيث أثبتت التجربة أن الرهان على حيوية أبنائها هو الرهان الأضمن لاستعادة مؤسسات الدولة.
إن هذا الصمود الاستثنائي يبعث برسالة صريحة مفادها أن المشروع الوطني يتجدد من قلب هذه المدينة، وأن إرادة أبنائها ستظل الحصن المنيع الذي تتحطم عليه كل محاولات الإخضاع.
يمن شباب نت