التعليم وناقوس الخطر
تُظهر العروض الكشفية الأخيرة لطلاب "الدورات الصيفية" في محافظة إب مأساة حقيقية؛ حيث يُساق جيل كامل نحو مستقبل مجهول. أطفال في عمر الزهور يحملون المصاحف كشعار لرفع مسمى "المسيرة القرآنية" في حين يفتقر الكثير منهم إلى المعرفة الأساسية بالقرآن وقراءته، فضلاً عن فهم مقاصده وقيمه الإنسانية والأخلاقية، فيما مجموعة أخرى ترفع صور القيادات الحوثية دون وعي منهم بحجم الانتهاكات والظلم الذي يمارس في محافظتهم.
إن حرمان جيل كامل من التعليم والوعي، وتنشئته على ثقافة العنف والسلاح والتعبئة الطائفية لقرابة عشر سنوات، يكشف أن التعليم في اليمن يمر بكارثة تاريخية غير مسبوقة. تشير الإحصائيات بتدني مستوى التعليم بشكل حاد، حيث يعيش المعلمون بلا رواتب، واستُبدلت المناهج بـ "ملازم" طائفية، وتم تغييرها في بعض المقررات وخاصة الصفوف الأولى والأساسية بشكل كامل.
انقطاع الرواتب في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي كان "الضربة القاضية" لشل الحياة التربوية، مما أجبر قامات تربوية فذة على مغادرة المدارس نحو أرصفة المهن الشاقة بحثاً عن لقمة العيش. هذا النزوح الجماعي خلّف فراغاً مرعباً ملأته المليشيا بعناصر تفتقر للكفاءة، وتخدم أفكارها الطائفية والسلالية.
يقع المشهد التعليمي اليوم بين فكي كماشة؛ دمار البنية التحتية وتحويل المدارس إلى ثكنات عسكرية، وتجريف البنية الفكرية بتفخيخ المناهج بأفكار طائفية دخيلة لتفتيت النسيج الاجتماعي. هذا الوضع قذف بملايين الأطفال إلى رصيف التسرب المدرسي، فيما تحول آخرون إلى سوق العمل الشاق والاستقطاب العسكري لدى الجماعة الحوثية التي تسوقهم إلى الجبهات.
ولم ينجُ التعليم الأكاديمي من هذه المحرقة، إذ أصاب الركود الجامعات نتيجة عزوف الشباب وضيق الحال المعيشي. وتبرز "الجامعات" (كلية التربية) كنموذج صارخ، حيث تشهد إغلاقاً متسارعاً لأقسامها، مما يعني حرفياً تجفيف منابع المستقبل وقطع إمداد المدارس بالمعلمين المؤهلين لسنوات طويلة قادمة.
لا تقتصر المعاناة على مناطق المليشيا؛ إذ تعاني المحافظات المحررة أيضاً من تدني قيمة الرواتب وغياب الواجب الحكومي المؤمل. والمؤسف هو حالة الصمم الدولي والبرود المحلي تجاه هذه الكارثة، حيث يُدرج ملف التعليم دائماً في أواخر قوائم الأولويات السياسية والعسكرية.
إننا ندق ناقوس الخطر الأخير: إن إنقاذ ما تبقى من المنظومة التعليمية يتطلب وقفة حازمة وجادة، ومن ذلك البدء بصرف مرتبات المعلمين، وإعادة إعمار المدارس. يجب أن يدرك الجميع أن استمرار هذا الوضع سيعيد إنتاج جيل مكبل بالأمية والتطرف، وهي فاتورة باهظة سينعكس جحيمها على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.
يمن شباب نت