دماء "الشاعر" تفتح أبواب الحساب
على وقع الرصاصات الغادرة التي استهدفت الدكتور عبد الرحمن الشاعر أمام صرحه التعليمي في عدن، استيقظ الضمير الجمعي للمدينة على مشهدٍ لم يعد من الممكن تجاوزه أو قيد جرائمه "ضد مجهول".
إن هذه الجريمة الصادمة، التي وثقتها عدسات الكاميرات بدمٍ بارد، هي طعنة في قلب السكينة العامة، ومحاولة لوأد ما تبقى من أمن واستقرار في العاصمة المؤقتة.
الاحتجاجات الحاشدة التي انطلقت من أمام مدارس النورس والوقفات التضامنية، كانت استفتاءً شعبياً أعلن فيه الناس كفرهم بعهد "الإفلات من العقاب". لقد أشعلت مشاهد الغدر غضباً عارماً في الميادين وضجيجاً لم يهدأ في منصات التواصل الاجتماعي.
حيث تحول "فيسبوك" إلى برلمان شعبي يطالب برأس "الأفعى" المخططة لا "الأدوات" المنفذة فقط. هذا الغليان هو الذي وضع الأجهزة الأمنية والقضائية أمام اختبارها الحقيقي: إما العدالة أو السقوط في فخ الفوضى الدائمة.
بيان إدارة أمن عدن الأخير، الذي أعلن ضبط أربعة متهمين رئيسيين وتفكيك خلية إجرامية منظمة، كـ "بارقة أمل" طال انتظارها. وإن التنسيق الأمني بين المحافظات (عدن، أبين، لحج) والوصول إلى بعض الجناة يثبت أن الأمن حين يمتلك الإرادة السياسية والظهير الشعبي، فإنه قادر على الإجهاز على "خلايا الموت" في مهدها. وهذا هو الخطوة الأولى في رحلة "تنظيف الجرح" الوطني من الأورام التي استهدفت رجال الدين، الأكاديميين، والكوادر الوطنية لسنوات.
إن "الفرصة" التي فتحتها دماء الدكتور الشاعر يجب أن تُتوج بعدالة ناجزة ورادعة، المطالبة اليوم لا تقتصر على التحقيق، بل في تنفيذ الأحكام القضائية العلنية بحق المتورطين، فالظلم الذي يلاحق الضحايا لن يسكته إلا "القصاص" الذي يرتدع به الجناة اللاحقون.
إن التأخير في تقديم هؤلاء للعدالة، أو محاولة تمييع القضية، هو بمثابة رصاصة أخرى في صدر كل مظلوم قُيدت قضية قريبه ضد مجهول منذ عام 2015 وحتى اليوم.
إن التنديد الدولي الواسع، وبيانات السفارات الأجنبية، والموقف الموحد للكيانات المحلية، كلها رسائل تشير إلى أن عدن لم تعد وحدها في مواجهة "الإرهاب السياسي"ـ العالم يراقب الآن كيف ستفرض الدولة سيادتها وقانونها.
إن المرحلة الجديدة التي ننشدها يجب أن تقوم على الأمن الاستباقي؛ الأمن الذي يمنع الجريمة قبل وقوعها، ويحمي العقول قبل تصفيتها، ويجفف منابع التمويل والتحريض التي تقتات على دماء الأبرياء.
لقد أراد القتلة بإسكات الدكتور عبد الرحمن الشاعر إدخال عدن في نفق اليأس، لكن دماءه تحولت إلى "مفتاح" فتح الملفات المغلقة على مصراعيها. اليوم عدن أمام مفترق طرق تاريخي: فإما المضي قدماً نحو دولة النظام والقانون التي تُنصف المظلوم وتلاحق الفار من وجه العدالة، أو العودة لمربع التصفيات.
وبقوة الحق وزخم الشارع ويقظة الأمن، يبدو أن فجر الاستقرار قد بدأ يبزغ من بين ركام الغدر "فالعدالة للدكتور عبد الرحمن الشاعر هي عدالة لكل كوادر عدن، والقصاص اليوم هو الضمانة الوحيدة لسكينة الغد."
يمن شباب نت