تغييب قحطان.. انتقام الإمامة من السياسة والتعددية
لو طلب من فنان أن يرسم لوحة تضم أبرز الوجوه التي حضرت في الحياة السياسية والتعددية الحزبية خلال ربع قرن من فترة ازدهارها الممتدة بين (1990 - 2015) فإن السياسي البارز محمد قحطان سيكون أبرز الوجوه الحاضرة في اللوحة.
حضر قحطان كقائد سياسي وشعبي يحرك الركود ويثير النقاشات ويبتكر مصطلحات وعناوين جديدة في المراحل المختلفة، يحاور الشركاء، ويبحث عن نقاط التوافق ليصنع منها جسراً للتواصل مع الخصوم. وعلى مستوى حزب الإصلاح فقد كان الصوت الأكثر حضوراً في الإعلام وفي لقاءات السياسة خلال الربع قرن الأول من عمر الحزب وعمر التعددية السياسية.
وبسعة أفقه وما تمتع به من طول بال مثل أحد رافعات العمل السياسي المشترك الذي أسهم في سحب الأحزاب والجماعات اليمنية من مربعات الأيدولوجيا إلى ساحة السياسة، ومن خنادق الصراع والتناحر إلى ميادين الشراكة والحوار، بل أسهمت تلك الجهود في خلق كتلة معارضة سياسية حية وفاعلة في اليمن متقدمة على كثير من البلدان العربية التي تنتهج التعددية.
أتحدث هنا عن الفعل السياسي وسيذهب كثيرون إلى الحديث عن ما انتهى إليه المشهد من حرب وتلاشي للعمل السياسي واختراق لوبيات الإمامة للأحزاب لخدمة أجندة نقيضة للجمهورية. وسيكون من السهل لكثيرين، دون حاجة لتفكير، تحميل العمل السياسي ورموزه المسؤولية بدلاً من النظر إليه كجهود أجهضت بفعل ما تلا عام 2011 من مكايدات.
آمن قحطان كما هو حال كثيرين من المشتغلين بالشأن السياسي أن التعددية هي الوسيلة الأكثر أماناً والأقل كلفة للتعبير عن الاختلاف وتعدد الآراء، بعد أن شهدت اليمن خلال العقود التالية لثورة 26 من سبتمبر جولات من الصراعات العنيفة تسببت فيها الأيديولوجيات المتناقضة والمستوردة من خلف الحدود، في محاولة كل طرف فرض أجندته أو الوصول لكرسي الحكم بالقوة.
رفض هيمنة الحوثيين وتمسك بالبقاء في صنعاء متشبثاً بما تبقى من فرص ضئيلة للنجاة باليمن وتجنيبها ويلات الحرب والدمار مع إدراكه لفداحة الثمن الذي يمكن أن يدفعه لقاء ذلك.
وبالتالي فإن إخفاء قحطان كقائد سياسي وكدينامو لصنع القرار السياسي داخل حزب الإصلاح أحد أكثر الأحزاب اليمنية انتشاراً وأقواها حضوراً في الساحة، وتحويل مصيره إلى ملف للجدل والمساومة هو انتقام تنفذه الإمامة التي تمثلها جماعة الحوثي من العمل السياسي ومن التعددية التي تكفر بها كلية وترى فيها كفراً لأنها تأتي على النقيض من مبدأ "الولاية" و "أحقية آل البيت في الحكم" الذي تحاول فرضه كنموذج ثيوقراطي للحكم.
كرس قحطان حياته للتأكيد على مبدأ أحقية كل مواطن يمني، بعيداً عن معايير العرق والقبيلة والجغرافيا في أن يمارس العمل السياسي ويطمح للوصول إلى مواقع القيادة والحكم، وظلت أحاديثه وتصريحاته ومقابلاته تؤكد على هذه المضامين التي تعتبر هي روح "الجمهورية" التي يخوض اليمنيون اليوم منذ 11 عاماً معركة قاسية ويدفعون كلفة عالية للدفاع عنها أمام الهجمة المرتدة للإمامة التي عملت وتعمل على تغييب كل الأصوات التي تذكر الناس بها.
ليس للحوثيين مشكلة شخصية مع محمد قحطان ولا خلاف على ميراث ولكن الخلاف هو مع ما يحمله قحطان من قيم ومع مرحلة العمل السياسي والحزبي التي مثل قحطان أبرز وجوهها وذهب بالنقاش بعيداً عن المعايير اللاهوتية باعتبار العمل السياسي مجالاً لخدمة الناس وحقاً لكل الشعب ضداً على ما تضخه وتكرسه الجماعة من خطاب يؤكد ارتباط الحكم والقيادة بتفويض واختيار إلهي لممثل سلالة تدعى الأفضلية والتميز.
كانت الخاصية التي ميزت قحطان وجعلته حتي في فترات سابقة ينال النصيب الأكبر من المضايقات من قبل مراكز نفوذ مختلفة، وجعلته هدفاً مباشراً للتغييب والإخفاء من قبل مليشيا الحوثي أنه شجاع ومتحرر من الحسابات والدوافع الشخصية، ومؤمن فعلياً بأن العمل السياسي والتعددية هي الأساس الذي يقوم عليه النظام الجمهوري ووسيلة للتعبير عن مصالح الشعب وميداناً للمنافسة على خدمته لا مجرد ديكور لتجميل النظام السياسي.
كما أن الديناميكية العالية التي امتلكها في التواصل مع الآخرين والتقريب بين القوى السياسية التي باعدت بينها الأيديولوجيا وما خلفته من صراعات طيلة العقود السابقة، أمر مزعج لجماعة يقوم مشروعها على تدمير أي فرصة لتقارب وتكتل اليمنيين مادام ذلك الاجتماع يقوض المساحة التي تبني عليها أكاذيب الولاية والأفضلية وحكم البطنين.
* المصدر أونلاين