الحوثي والمعركة الأخيرة
في ظل التهديدات الإيرانية وتصعيدها بإغلاق مضائق حيوية تتجاوز هرمز، تبرز مليشيا الحوثي كأداة لتقييد حرية الملاحة في البحر الأحمر. هذا التصعيد لا يستهدف السفن فحسب، بل يضرب صميم الاقتصاد العالمي، وهو عامل سيكون له أثر حاسم في مطبخ القرار الأمريكي، وتحديداً في توجهات الرئيس دونالد ترامب الذي يميل تاريخياً نحو سياسات الحسم الاقتصادي والعسكري ضد وكلاء إيران.
فلطالما استمدت مليشيا الحوثي زخمها من الدعم اللوجستي والسياسي القادم من طهران، لكن الضربات المباشرة التي تلقتها إيران مؤخراً وضعتها في حالة عزلة متزايدة. هذا الضعف في "المركز" بدأ ينسحب تدريجياً على حلفائها؛ فالحوثي اليوم يواجه "هشاشة " ناتجة عن الفجوة العميقة بين سلطة الأمر الواقع والمجتمع اليمني الذي يغلي تحت وطأة التجويع الممنهج وسياسات القمع. لقد فقدت الجماعة مصداقيتها، وتحول شعار مقاومتها لقوى العدوان في نظر الناس إلى مجرد ذريعة لاستمرار المعاناة.
علاوة على ذلك، فإن التفوق النوعي في تقنيات الرصد والاستهداف التي باتت تمتلكها القوى الدولية والإقليمية قد قلص من فاعلية ونشاط المليشيا العسكري . فالاختراقات الاستخباراتية المتتالية لمنظومة القيادة والسيطرة الحوثية، وتدمير منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات قبل استخدامها، كشفت عن تآكل في القدرات العملياتية للجماعة.
هذا الانكشاف العسكري جعل من التهديدات الحوثية مجرد صدى صوتي يهدف لرفع المعنويات المنهارة لمقاتليهم، أكثر من كونها خطراً استراتيجياً قادراً على تغيير قواعد الاشتباك في المدى الطويل، مما يضع المليشيا الحوثية في مأزق "الدفاع العقيم" أمام هجمات دقيقة لا تستطيع صدها.
أما على الصعيد المالي، فقد وصلت سياسة "اقتصاد الحرب" التي تنهجها المليشيا إلى طريق مسدود؛ حيث أدى تجفيف منابع السيولة النقدية وتدمير القطاع الخاص إلى شلل تام في الدورة الاقتصادية للمناطق الخاضعة لسيطرتهم. إن عجز المليشيا الحوثية عن الوفاء بأدنى الالتزامات تجاه الموظفين والمواطنين، بالتزامن مع توقف التدفقات المالية المهربة من الخارج، سيؤدي حتماً إلى تآكل الولاءات القائمة على المصلحة داخل بنية الجماعة نفسها.
هذا الانهيار الوشيك للمنظومة المالية الحوثية يمثل "القنبلة الموقوتة" التي قد تسبق في انفجارها أي تحرك عسكري، مما يمنح القوى الشرعية والتحالف فرصة تاريخية لإعادة صياغة الواقع اليمني بعيداً عن سطوة السلاح وسلطة الجبايات.
على الجانب الآخر، تجاوزت السياسة السعودية والخليجية مرحلة الرهان على تحول الحوثي إلى شريك سياسي "وطني". الإدراك المتزايد بأن الجماعة رهينة للأجندة الإيرانية دفع نحو توجه جديد يميل للحسم، ليس فقط عسكرياً، بل عبر تضييق الخناق الاقتصادي والدبلوماسي، خاصة بعد أن أصبح التهديد الحوثي عابراً للحدود ومستهدفاً لاستقرار التجارة الدولية.
يظل السؤال الجوهري يظل: هل الأطراف الشرعية جاهزة لاقتناص هذه اللحظة؟ إن استعادة المبادرة تتطلب من مجلس القيادة الرئاسي تجاوز حالة التباين بين فصائله، وتوحيد القرار العسكري، وتقديم المناطق المحررة كنموذج للدولة المؤسسية الجاذبة. إن استغلال لحظة الضعف الإيرانية الحالية لتغيير موازين القوى على الأرض بات ضرورة قصوى قبل الدخول في أي تسويات دولية جديدة.
فالمرحلة القادمة لن تشبه ما قبلها؛ فهشاشة الحوثي من الداخل وضعف حليفه في الخارج يفتحان نافذة تاريخية لمشروع "استعادة الدولة". النجاح الآن مرهون بقدرة القوى الوطنية على انهاء الإنقلاب.
يمن شباب نت