المشكلة اليمنية: قراءة في ترتيب الأولويات الوطنية

بينما يرى البعض في "الحوار الجنوبي - الجنوبي" خطوة ضرورية لترتيب البيت الداخلي، يراه آخرون هروباً إلى الأمام بعيداً عن المعركة الوطنية الكبرى. هذا التباين يضعنا أمام سؤال مفصلي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن اجتزاء "المسألة الجنوبية" وفصلها عن السياق اليمني العام؟

إن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان هي أن المشكلة اليوم ليست "جنوبية" بمفهومها الجغرافي الضيق، بل هي مشكلة اليمن ككل؛ ذلك الجسد الذي تنهشه المليشيا الحوثية منذ انقلابها المشؤوم. إن الأزمة في جوهرها تكمن في غياب الدولة والقانون والدستور، وهو الغياب الذي ولد حالة من عدم الاستقرار، وأفرز ظواهر مشوهة كالمناطقية والمذهبية كبدائل لهوية وطنية جامعة تآكلت بفعل الصراع.

لذا، فإن انشغال المكونات في صياغة مواثيق خاصة بينما الانقلاب الحوثي جاثم على صدور الجميع، يهدد ليس فقط "الوحدة" أو "الانفصال"، بل كيان المجتمع والدولة برمته. إن حصر الحوار في دائرة جغرافية محددة والنيران تشتعل في الجسد اليمني ككل، يضعنا أمام تساؤل أخلاقي وسياسي حول ترتيب الأولويات.

هناك خشية حقيقية من أن يتحول الحوار من أداة لتعزيز مخرجات الحوار الوطني الشامل التي أسست للدولة الاتحادية والعدالة الانتقالية، إلى منصة لتعزيز رغبات كيانات تلوح بالانقسام كخيار وحيد. إن القفز فوق "اللغم الحوثي" للحديث عن ترتيبات انفصالية أو محاصصات ضيقة قد يؤدي بنا إلى العبور من "شرعية القوة" ليس إلى "قوة الشرعية"، بل إلى "فوضى المكونات"، وخلق جزر سياسية معزولة تضعف الجبهة المناوئة للانقلاب وتفتح الباب أمام صراعات بينية جديدة.

لقد تجاوز الواقع اليوم صيغة "المناصفة" التقليدية بين الشمال والجنوب. فها هي حضرموت، برؤيتها الجغرافية والتاريخية والاقتصادية، ترفض التبعية وتطالب بأن تكون طرفاً ثالثاً مستقلاً في أي حوار سياسي. هذا التحول الجذري يربك الحسابات التقليدية؛ فالحوار لم يعد مجرد محاولة لجمع الفرقاء تحت مظلة واحدة، بل أصبح مواجهة مع واقع جديد يرفض المركزية بكافة أشكالها، ويؤكد أن المشروع الكبير بنظام الدولة الاتحادية هو الخيار الأكثر إنصافاً واستيعاباً للتنوع.

إن نجاح أي حوار، جنوبياً كان أم وطنياً، مرهون بقدرته على استيعاب الجميع دون إقصاء، وبمدى إدراكه أن قوة أي طرف نابعة من قوة الدولة اليمنية واستقرارها. إن العودة إلى المشروع الوطني الكبير القائم على المواطنة المتساوية والتوزيع العادل للثروة والسلطة هو المخرج الوحيد.

بدلاً من الاستغراق في حوارات مجتزاه قد تزيد من حدة التشظي، يجب أن تصب كل الجهود في استعادة الدولة المختطفة؛ فبدون دولة لا وجود لأمان، وبدون قانون لا معنى للاتفاقات، وبدون استقرار ستبقى كل المكونات مهما عظمت قوتها رهينة لصراعات لا تنتهي.


يمن شباب نت