موقع أوروبي: مضيق باب المندب قد يتحول إلى نقطة الاشتعال التالية في الحرب مع إيران
ذكر تقرير نشره موقع Radio Free Europe الأوروبي أن مضيق باب المندب، الواقع قبالة السواحل اليمنية، قد يتحول إلى نقطة اشتعال جديدة في حال توسع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خاصة في ظل المخاوف من تعطّل أحد أهم طرق الشحن والطاقة في العالم.
وأوضح التقرير أن إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، رداً على حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية الواسعة، أدى إلى إحداث فوضى في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع كبير في أسعار النفط.
ويرى خبراء أن الوضع قد يتفاقم أكثر في حال تعطلت حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب، وهو ممر بحري استراتيجي آخر يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويعد شرياناً أساسياً للتجارة العالمية.
ممرات الطاقة العالمية تحت التهديد
يُعدّ مضيق هرمز، الواقع قبالة السواحل الإيرانية، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، إذ يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح والأسواق العالمية عبر خليج عُمان وبحر العرب.
وبالمثل، يشكل مضيق باب المندب ممراً ضيقاً للسفن الداخلة إلى البحر الأحمر أو الخارجة منه، وتسيطر جماعة الحوثي المسلحة المدعومة من إيران على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على هذا المضيق.
وسبق للحوثيين، المصنفين كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، أن شنوا هجمات على سفن دولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال السنوات الماضية، ما أثار مخاوف متكررة بشأن أمن الملاحة في هذا الممر الحيوي.
ورغم ذلك، التزمت الجماعة حتى الآن الحياد في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. لكن الخبراء يحذرون من أن دخول الحوثيين في الصراع قد تكون له تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة العالمية.
وقال غريغوري برو، وهو مؤرخ متخصص في النفط الإيراني ومحلل كبير في مجموعة أوراسيا: "إن تهديد الحوثيين هنا حقيقي".
أهمية باب المندب لأسواق النفط
يمثل مضيق باب المندب نحو 6% من إجمالي النفط المنقول بحراً في العالم، وفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
ومع إغلاق مضيق هرمز، بدأت المملكة العربية السعودية – أكبر مصدر للنفط في العالم – في تحويل ملايين البراميل من النفط من الخليج العربي إلى البحر الأحمر عبر خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب.
وقال برو إن عدداً كبيراً من ناقلات النفط يمر حالياً عبر البحر الأحمر لتحميل النفط الخام من ميناء ينبع السعودي، وهو المنفذ الرئيسي الآخر لصادرات النفط السعودية.
وأضاف:"هذا أمر بالغ الأهمية لأسواق النفط لأنه يخفف الضغط الناتج عن الإغلاق التام للخليج العربي". لكن الخطر الأكبر، بحسب برو، يكمن في احتمال استهداف الحوثيين للبنية التحتية النفطية في البحر الأحمر.
وقال:"إذا هاجم الحوثيون ميناء ينبع، وإذا نجحوا في تعطيل الصادرات من المحطة، فقد تواجه الأسواق تعطلًا يصل إلى 7 ملايين برميل يومياً".
وحتى الآن لم يعلن الحوثيون رسمياً انضمامهم إلى الحرب الدائرة حول إيران، لكن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أكد أن قواته مستعدة للتحرك في أي وقت.
وقال في خطاب متلفز في الخامس من مارس: "فيما يتعلق بالتصعيد والعمل العسكري، فإن أصابعنا على الزناد في أي لحظة إذا استدعت التطورات ذلك".
وفي 12 مارس/آذار، ذكرت وكالة فارس الإيرانية شبه الرسمية أن الحوثيين في حالة تأهب قصوى وقد ينضمون إلى المجهود الحربي لطهران. كما حذرت الوكالة من أن مشاركة الحوثيين في الحرب قد تؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان غياب الحوثيين عن الحرب الحالية يعكس قراراً استراتيجياً متعمداً أم أنه نتيجة تراجع قدراتهم العسكرية.
فخلال السنوات الأخيرة، تعرضت الجماعة لسلسلة من الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مواقعها العسكرية، رداً على هجماتها الصاروخية والطائرات المسيرة ضد إسرائيل والسفن الدولية في البحر الأحمر.
وفي مايو/أيار 2025، وقّع الحوثيون اتفاق وقف إطلاق نار مع الولايات المتحدة بعد أشهر من التصعيد. ويُعد الحوثيون أحد أبرز أعضاء ما يسمى محور المقاومة الذي تقوده إيران، وهو شبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في المنطقة.
تجربة حزب الله تحذير إضافي
يشير التقرير إلى أن حزب الله اللبناني، وهو عضو آخر في محور المقاومة، فتح جبهة ثانية في الحرب عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل.
وقد ردت إسرائيل على ذلك بحملة عسكرية واسعة شملت هجمات جوية مكثفة وإرسال قوات برية إلى لبنان. ويرى بعض المحللين أن هذه التجربة قد تشكل تحذيراً للحوثيين بشأن التكاليف المحتملة لأي انخراط مباشر في الحرب.
وقال غريغوري برو إن الوضع العسكري والاقتصادي للجماعة قد يحد من قدرتها على التصعيد، مضيفا"أعتقد أن الوضع المالي والعسكري للحوثيين سيثنيهم عن الانخراط في أعمال عدائية واسعة النطاق".
وأوضح أن الحملات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ألحقت ضرراً كبيراً بقدرات الجماعة، مشيراً إلى أن الحوثيين يواجهون صعوبات حتى في دفع رواتب مقاتليهم.
ورقة إيرانية مؤجلة
في المقابل، يرى بعض الخبراء أن امتناع الحوثيين عن الانخراط في الحرب لا يعكس ضعفاً، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لإدارة التصعيد.
وقال أحمد ناجي، كبير محللي شؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، إن قرار الحوثيين بالبقاء خارج الحرب حتى الآن يبدو خطوة محسوبة ومنسقة مع طهران.
وأوضح: "بدلاً من تفعيل جميع الجبهات دفعة واحدة، يبدو أن إيران تدير التصعيد تدريجياً وتبقي الحوثيين في الاحتياط".
وأضاف أن الحوثيين يمثلون ورقة ضغط مهمة يمكن استخدامها لاحقاً، خاصة بالنظر إلى قدرتهم على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وخلق ضغوط اقتصادية وأمنية أوسع.
وأشار ناجي إلى أن إبقاء الحوثيين خارج المواجهة في الوقت الحالي يحافظ على هذه القدرة الاستراتيجية.
وقال:"إذا ازداد الضغط العسكري على إيران أو دخلت الحرب مرحلة أكثر خطورة، فقد يتدخل الحوثيون رغم التكاليف المحتملة على جبهتهم الداخلية في اليمن".
وختم بالقول إن ضبط النفس الذي تبديه الجماعة حالياً يبدو مرتبطاً بالتوقيت أكثر من كونه تردداً في التدخل.