مركز دراسات: الحوثيون استحدثوا نظام جمركي موازي يضم أكثر من 220 نقطة جباية تدر المليارات
كشفت دراسة صادرة عن مركز المخا للدراسات، أن الحوثيين استحدثوا نظاماً جمركياً داخلياً موازياً يضم أكثر من 220 نقطة جباية، ويحقق 90–120 مليار ريال سنوياً، ما حوّل الجمارك إلى أداة لتمويل اقتصاد الحرب ورفع تكاليف النقل والأسعار وإعاقة المساعدات.
وتتبعت الدارسة ظاهرة نظام الجمارك الداخلية الذي استحدثته جماعة الحوثي في اليمن، بوصفه أحد أبرز التشوهات في بنية الاقتصاد اليمني خلال سنوات الحرب.
وقالت إنه ومع انهيار مؤسسات الدولة وتفكّك النظامين المالي والإداري نتيجة لانقلاب 21 سبتمبر 2014، برزت منظومة جباية حوثية موازية للإدارة العامة لمصلحة الضرائب والجمارك، تمكّنت الجماعة من خلالها من بناء جهاز مالي يتجاوز وظيفته الاقتصادية، ليكتسب أبعادًا سياسية وأمنية وسيادية متداخلة. و
وأظهرت الدراسة أن هذا النظام تطوّر تدريجيًا من نقاط تفتيش ميدانية محدودة إلى شبكة متكاملة تمتد على طول الطرق الرئيسة الرابطة بين عدن ومأرب وتعز وصنعاء، تُفرَض عندها رسوم إضافية على البضائع التي سبق تخليصها في الموانئ والمنافذ الرسمية.
ولفت إلى أنه وبحلول عام ٢٠٢٣، كان هذا النشاط قد تحوّل إلى جهاز جمركي داخلي موازٍ يعمل بآليات تجمع بين البيروقراطية الإدارية والقوة العسكرية.
وأشارت إلى أن التقديرات تشير إلى أنه يحقق إيرادات سنوية (٩٠–١٢٠ مليار ريال يمني)، أي ما يعادل نحو ٦–٨٪ من الإيرادات المحلية في مناطق سيطرة الحوثي، ليغدو أحد الأعمدة الرئيسة لتمويل سلطتهم في صنعاء خارج منظومة الدولة الشرعية وأطرها القانونية، وسيلة للسيطرة السياسية والاقتصادية؛ إذ تُستخدم لتنظيم حركة التجارة، ومراقبة دخول المساعدات الإنسانية، وفرض أنماط من الولاء على التجار والمؤسسات الاقتصادية.
وأكدت أن ذلك يمثّل هذا النظام انتهاكًا صريحًا لقانون الجمارك رقم (١٤) لسنة ١٩٩٠ وتعديلاته، والذي يحدّد نطاق التحصيل الجمركي في المنافذ الحدودية والموانئ الدولية والمطارات والمناطق الحرة، فضلًا عن مخالفته لمبدأ وحدة الخزينة العامة المنصوص عليه في الدستور اليمني. وينتهك مبدأ حرية التنقل وحركة البضائع والأفراد بين مختلف أنحاء الجمهورية، وهو حق دستوري مكفول للمواطنين والتجار.
وأوضحت الدراسة، أن إجراءات الحوثيين القسرية، وجهت بمقاومة شديدة من التجار والغرف التجارية الصناعية بمناطق سيطرة الحوثي، وأصدرت هذه الغرف منفردة – وبالاشتراك مع الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية ومقره صنعاء – بيانات شديدة اللهجة ضد إجراءات الحوثي ووزراء الصناعة والتجارية المعينين من قبل الجماعة، غير أن ذلك لم يفلح في زحزحة الحوثيين قيد أنملة عن إجراءاتهم تلك.
ونوهت إلى أن هذا الواقع، ادى إلى تشوّهات عميقة في بنية الاقتصاد الوطني؛ فازدواجية الجباية الجمركية وارتفاع تكاليف النقل بنحو ٢٥–٣٠٪ أسهما في زيادة أسعار السلع الأساسية في الأسواق داخل مناطق سيطرة الحوثي بنحو ١٠–١٥٪ في المتوسط ، مع تسجيل فروق أعلى في بعض الفئات والمناطق. وأسهم ذلك في إضعاف القدرة الشرائية للأسر، وانكماش النشاط التجاري والاستثماري، وتقويض وحدة السوق الوطنية، وخلق ما يشبه «حدودًا اقتصادية» داخلية، مع ما يترتّب على ذلك من آثار سلبية على مستوى النشاط الاقتصادي الكلي. وتشير التقديرات الدولية إلى أن الاقتصاد اليمني فقد ما يقارب نصف ناتجه الحقيقي مقارنة بما قبل الحرب، في سياق يتّسم باستمرار النمو السلبي أو الضعيف للغاية في معظم السنوات الأخيرة.
كما اظهرت الدراسة أن جزءًا معتبرًا من الإيرادات المتأتية من هذا النظام يُوجَّه لتمويل الأنشطة العسكرية عبر صناديق مخصّصة مثل «صندوق دعم الجبهات» و«هيئة التصنيع العسكري»، ما يجعل الجمارك الداخلية ركيزة أساسية لاقتصاد الحرب ومصدرًا لتغذية النزاع، بدلًا من توجيهها لتمويل الخدمات العامة أو رواتب الموظفين المدنيين. وفي موازاة ذلك، تفاقمت الأوضاع المعيشية والاجتماعية؛ إذ يعيش أكثر من ٧٠٪ من السكان تحت خط الفقر، ويعتمد ما يقارب ٢٤ مليون شخص على شكل من أشكال المساعدات الإنسانية، التي تتعرّض بدورها لعرقلة متكررة بسبب الرسوم والإجراءات في نقاط التفتيش الجمركية الداخلية.
وفي ضوء هذه المعطيات، أكدت الدراسة أن استمرار هذا النظام يهدّد بإدامة الانقسام المالي والمؤسسي، ويُنتج بنية اقتصادية موازية يصعب تفكيكها في مرحلة ما بعد الحرب، بالنظر إلى أن الجهاز الجمركي التابع للجماعة يضم آلاف الموظفين ويعمل وفق نظام حسابي وإداري مستقل. ويسهم ذلك في تكريس واقع «الدولة المزدوجة»، حيث تمتلك كل سلطة بنيتها المالية وقنواتها الخاصة للإيراد والإنفاق، بما يعقّد أي جهود مستقبلية لإعادة توحيد المؤسسات الوطنية أو تنفيذ برامج الإعمار على أساس مالي موحّد.