إيران تدشن مسار حرب إقليمية محتملة مع السعودية في اليمن
في رحلة جوية أشبه ما تكون بالمغامرة، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على توقف الرحالات المباشرة بين طهران وصنعاء، هبطت فجر الجمعة (3 تموز/ يوليو الجاري)، طائرة تابعة لشركة ماهان (Mahan Air) الإيرانية في مطار صنعاء الدولي عنوة، على الرغم من وجود وفد سعودي في طهران للمشاركة في مراسيم تشييع المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، في خطوة أظهرت عدم اكتراث طهران بالتداعيات العسكرية المحتلة التي قد تنشأ بين أهم قوتين في المنطقة.
يفيد الحوثيون عن الرحلة بأنها أقلت "أكثر من مائتي راكب، عالقين ومرضى ومصابين"، وغادر على متنها وفدهم الذي شارك في مراسيم تشييع الإمام الخامنئي، مشاركةً تؤكد رغبة إيران بأن تضفي الهيبة والجلال على مراسم تشييع "قائد الأمة" كما يصفه إعلام المحور، وبأن جثمانه حفَّتهُ وفود الحلفاء والأتباع والأنصار والأصدقاء القادمين من جهات الدنيا الأربع. لكن رحلةً محفوفة بالمخاطر كهذه لن يُسقط الإيرانيون من حساباتهم استغلالها في إيفاد خبراء وضباط ارتباط وسحب آخرين، إلى جانب حمولة محتملة من المعدات العسكرية الحساسة.
إيران التي خرجت من أنقاض حرب طاحنة مع أمريكا وإسرائيل تريد إعادة الاعتبار لقوتها العسكرية المسحوقة، لذلك تبدو أكثر عدوانية مما كانت عليه من قبل، إلى حد أنها على استعداد لافتعال صدام إقليمي وتحمل تبعاته، إذا كان ذلك ثمنه إملاء إراداتها على الجيران، وصياغة قواعد اشتباك جديدة معهم، وفرض مسارات قسرية للاتصال بأذرعها العسكرية، فيما تعتقد إيران أنه المجال الحيوي الذي تحدده إرادتها وقدرتها على الوصول العسكري في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
تدشن إيران بهذا التصعيد مواجهة إقليمية؛ من أبرز تداعياتها على اليمن ربطه بمخرجات الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يهدد بخلق حالة مشابهة للوضع اللبناني، الذي يتجه نحو صدام داخلي، في حين يتجه مسار الحرب في اليمن إلى صدام إقليمي.
مسار التصعيد يعزز ما نذهب إليه، ففي مساء الجمعة أطل المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع ببيانٍ زعم فيه بأن تشكيلاً من الطيران الحربيّ السعوديّ حلق في أجواء المحافظات الخاضعة لجماعته الانقلابية، في إطار محاولة لمنع طائرة مدنية إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء. البيان نقل الخرق الإيراني للسيادة اليمنية، خلال فترة وجيزة، إلى مرحلة متقدمة جداً وشديدة الخطورة، لأن هذا التحوير المقصود للحدث من جانب الحوثيين، كشف عن رغبة طهران وحلفائها بصنعاء في وضع السعودية أمام تحدي المواجهة العابرة للحدود مع الحوثيين، في ظل تهديد صريح من قبل هذه الجماعة باستهداف المطارات والموانئ والمواقع الحيوية السعودية إذا تكرر اعتراض طائرات تسير بين كل من طهران وصنعاء.
أن يتحول هذا الخرق إلى أساس لسلوك عسكري عدواني متواصل، لا يمكن اعتباره جساً للنبض، بل مغامرة محسوبة، تستهدف تحييد مفعول القوة العسكرية السعودية، وتحرير الذراع الإيراني في اليمن من قيود العملية السياسية وخطة الأمم المتحدة للسلام، ومرجعياتها الصارمة، وإرباك الحشود الشعبية والقبلية التي وضعت الحوثيين على حافة مواجهة شاملة وغير مسبوقة مع كتلةِ صدٍ ممتدةٍ عبر الجغرافيا اليمنية بعد سنوات من اللعب في مساحة العداء المشترك لربيع اليمن، الذي جعل الانقلابيين في محطات عديدة شركاء غير مباشرين للتحالف أكثر من كونهم أعداءه المفترضين، وفي الوقت ذاته يضع العديد من الصعوبات في الفضاء الإقليمي التي قد تسمح لاحقاً بمناقشة قضية خطيرة جداً، وهي ضمان الأجواء المفتوحة للطيران المدني الإيراني لتسيير الرحلات بين كل من طهران وصنعاء.
وأمر كهذا إن حدث، فسوف يُعيد اليمن إلى أجواء خريف 2014، الذي أنشأت فيه إيران جسرَ إمداد حربياً جوياً بعد سقوط صنعاء وسيطرة الحوثيين عليها، على نحو قد ينجح معه الإيرانيون وذراعهم في اليمن في التعويض عن خط الإمداد البحري الذي يبدو أنه يواجه صعوبات غير مسبوقة، بعد تشديد الرقابة الأمريكية والغربية عليه خلال الفترة الماضية. وإن نجح الإيرانيون في فرض خيار الخط الجوي المفتوح بين طهران وصنعاء، فإن من شأن ذلك أن يُضيف المزيد من التعقيدات على المشهد العسكري في اليمن ويعزز الانقسام الوطني، ويزيد من منسوب الخطورة الآتية من المشروع الانقلابي ذي الصبغة الطائفية الشمولية في اليمن.
الرد الذي صدر عن السعودية وحليفتها السلطة الشرعية، جاء بصبغة سياسية، معززاً بتهديد يشمل "الرد والضرب بحزم وبقوة غير مسبوقة" كما جاء في بيان المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية اللواء تركي المالكي. والرد دون المبادأة لا يعكس القوة الحقيقية للسعودية وللقوة العسكرية التي تدعمها في الميدان، ولا يتفق مع ما يقتضيه التعامل مع اعتداء بدأته إيران، ولا يشي بأن السعودية وحليفها اليمني ماضيان في إنهاء مفعول هذا الاختراق الجوي وسحق مكاسبه المعنوية والجيوسياسية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لا يتم تحويل التصعيد الإيراني وما تبعه من تصعيد لذراعه في اليمن تجاه السعودية، إلى فرصة استراتيجية لإعادة بناء شراكة حقيقية مع اليمن وحكومته، يبدأ بضخ كوادر قيادية تتمتع بقيمة وطنية وازنة، ويشمل التعزيز المادي والتسليحي للقوات المسلحة اليمنية، وإنهاء هذه الفسيفساء العسكرية دون الوطنية التي أنتجتها عقيدة العداء مع طواحين "الإخوان"، والعمل بكل السبل الممكنة، لتحييد إيران في الساحة اليمنية، عبر التحرك السياسي والدبلوماسي المكثف، وإغراق الانقلابيين بحرب مستحقة ومتعددة الجبهات وكثيفة الخط الناري وسخية التمويل، وينخرط فيها الشعب اليمني بمكوناته وأطيافه المختلفة.
عربي21