العوائد المفترضة للتطور الهام في الموقف السعودي تجاه اليمن

حفل الأسبوعان المنصرمان بتطورات مهمة على الساحة اليمنية، كلها تشير إلى أن تحولاً يحدث في النهج السعودي يتسم بقدر من الحزم الظاهر لطي صفحة العشرية السوداء التي كان المشروع الانفصالي وأدواته وداعمه الإقليمي الإماراتي المحرك الأبرز لأحداثها المأساوية وما نتج عنها من تراجع لدور الشرعية ونفوذها، وتضعضع في بنية الدولة لصالح قوى أمر واقع أكثر تمرداً على المشروع الوطني، قبل أن تتطور الأمور في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2025 إلى تقويض كامل لدور السعودية في اليمن إثر السيطرة العسكرية على معظم المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن.

عبر سلسة من التدابير السياسية والميدانية، صعَّدتْ الرياض بالتنسيق مع الحكومة اليمنية ميدانياً. شمل ذلك وضع العراقيل الأمنية واللوجستية أمام التظاهرات التي كان الانتقالي المنحل ينظمها بشكل روتيني لإظهار استمرار حضوره الشعبي. وهذه المرة شهد أنصار الانتقالي سقوط صورة الزبيدي أكثر من مرة من على منصة ساحة العروض، واقتلاع القاعدة التي تقوم عليها الصورة بشكل نهائي، في تعبير واضح عن تضعضع قوة الحراك الانفصالي، الذي وجد نفسه لأول مرة منذ عشر سنوات في مواجهة قوات أمنية لا تؤمن له الحماية والغطاء، بل تمنع تواجد المتظاهرين في الساحات، التي لا لطالما استغلها الانفصاليون في التعبير عن قوة مشروعهم وسطوته وغطائه الإقليمي.

جانب من هذا التصعيد استهدف العناصر المتشددة من قيادات المجلس الانتقالي المنحل وبالأخص رئيسه عيدروس الزُّبيدي المتواجد في أبوظبي، من خلال مطالبة مجلس الأمن الدولي بتفعيل آلية العقوبات ضد معرقلي العملية السياسية. وهذه الخطوة تحديداً، جاءت على ما يبدو كردع للمحاولات المستميتة وحملة العلاقات العامة الممولة التي تُخاض في العواصم الغربية لتبني التوجهات الإماراتية الهادفة إلى تحميل الدور السعودي في اليمن المزيد من الأثقال، والتأثير السلبي على تحالفات الرياض مع الطيف السياسي اليمني، من خلال استهداف أكبر أحزاب هذا الطيف، وهو التجمع اليمني للإصلاحي والتحريض عليه ومحاولة إلصاق التهم الكيدية به في محاولة مستميتة لاستثمار القلم السيال للإدارة الأمريكية الحالية لتحييد دوره السياسي والوطني.  

وإلى جانب ذلك تم استدعاء عددٍ من القيادات الجنوبية البارزة المناهضة للانتقالي والإمارات، ومنهم وزير الداخلية الأسبق أحمد الميسري، إلى الرياض وسط توقعات بأن تكون هذه القيادات جزءً من ترتيبات قد تُنهي بالكامل التأثير السياسي والشعبي للانتقالي على الساحة الجنوبية. كما جرى رفع الغطاء عن جانب من الممارسات الخطيرة والفاسدة ومنها الاستيلاء غير المشروع على مليارات الريالات من موارد الدولة، في ظل استمرار التدهور الحاد في الخدمات.

كما جرى الكشف عن جانب من الانتهاكات والجرائم الفظيعة التي اُرتكبت في فترة نفوذ الانتقالي والإمارات، وتورط فيها قادة عسكريون وأمنيون، وشملت القتل المنفلت والإخفاء القسري والتعذيب والتنكيل بالعشرات من المدنيين الأبرياء، والابتزاز الأخلاقي وانتهاك الأعراض، وهي جرائم أثرت بعمق في اتجاهات الرأي العام، وأشاعت في القلوب كراهية المشروع الانفصالي والانفضاض من حوله. 

لا يجب التهوين من خطورة المواجهة التي يخوضها شريكا الحرب الإقليميين على الساحة اليمنية، التي سبق لها أن منحتهما فرصاً تاريخيّة للاختبار المشترك للقوة والنفوذ وإمكانية التحكم السهل وقليل الكلفة بأكبر مكون سكاني في شبه الجزيرة العربية. فقد تشارك البلدان إذ ذاك، عقيدةً سياسية وأيديولوجية متطرفة تجاه الطرف اليمني الأكثر إخلاصاً في حرب استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، وهو معسكر الشرعية، الأمر الذي مهد الطريق لأبوظبي لتمضي قدماً في تهيئة مسرح عمليات عسكري، زرعت فيه قوى أمر واقع؛ كان واضحاً أن عقيدتها القتالية تتجه نحو تصفية آخر نفوذ للسلطة الشرعية في البلاد، ومعها الدور السعودي برمته، علماً بأن تدخل التحالف في اليمن كان أصلاً بمبرر دعم هذه الشرعية.

لذا من المهم أن يحدث تغييرٌ جوهري في المقاربة السعودية على الساحة اليمنية، تتجاوز منطق المناكفة الإقليمية، وتكف عن الدوران العبثي حول القضية الجنوبية. وننصح بهذا الخصوص أن يتجه الدور السعودي بالتنسيق الكامل مع السلطة الشرعية، نحو تبني مبدأ الاستثمار المعاكس، الذي يضمن تفكيك العقدة الجنوبية، وإعادة الجميع إلى العمل تحت سقف الجمهورية اليمنية، ويدور معه الجميع حول استحقاق استعادة الدولة ودحر الانقلاب.

وننصح بأن أي جهد ينبغي أن يضمن التصفير الإيجابي للمشاكل والممارسات السياسية والاجتماعية والأمنية الكارثية للعشرية السوداء، بحيث يحصل المتضررون على العدالة والإنصاف وجبر الضرر، ويتحرر الجميع من عقدة النصر والهزيمة، فلا منتصر أو مهزوم في الحروب التي تدور بين مكونات الشعب الواحد.

عربي21