عن تزامن موجة القتل الإرهابية في عدن مع التطبيل للتصنيف الأمريكي

في الفترة من الخامس والعشرين من نيسان/أبريل وحتى الثالث من أيار/ مايو؛ حصدت أحدث موجة من جريمة القتل السياسي شخصيتين نوعيتين في مجتمع عدن والدولة، هما الدكتور عبد الرحمن، الشاعر السياسي والأكاديمي والتربوي والرائد في مجال العمل الإنساني، والمهندس سامي قايد، المدير التنفيذ للصندوق الاجتماعي للتنمية؛ الذراع التنموي التشاركي للحكومة، في مؤشر على إعادة تموضع النفوذ الإقليمي عبر التدخل غير المباشر والمتعدد الأدوات، واستمرار تدفق التمويلات وأشكال الدعم اللوجستية، وبناء التوافقات المشبوهة لإحداث أكبر الأضرار بالتحول الإيجابي الذي تشهده الساحة اليمنية في الجنوب بدعم قوي من جانب الرياض.

بكل بساطة، يمكن إحالة هذا التطور المؤسف إلى البيئة الأمنية الموتورة السائدة في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، هذه البيئة التي تشكلت أجهزتها وتشكيلاتها المسلحة قبل تسع سنوات بعقيدة ثأرية أملتها أبو ظبي، ونفذ معتنقوها مهام تصفية إرث الدولة بحماس كبير، وسط موجة تحريض ضد كل من له علاقة باليمن ودولته ونظامه ورموزه ورجاله وحوامله السياسية، وتحولت معها مدينة عدن إلى مسرح مفتوح للاغتيالات، التي أنتجت وضعا مأساويا قاتما ومناخا من انعدام الأمن وانعدام الثقة وبيئة طاردة بامتياز.

وهذا المنحى الثأري يتفاقم بقوة على وقع الانهيار المتواصل لمؤسسات المشروع الانفصالي، وتتحول معه الأجهزة الأمنية المغلقة مناطقيا إلى عامل حاسم في الدفع بأعمال العنف إلى هذا المستوى الخطير، وتجديد الفرصة لإعادة بناء تحالف أوثق بين المشروعين الإمامي (الطائفي) والمشروع الانفصالي، وإعادته إلى أجندته التأسيسية التي حُقن بها المشروعان في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت تحت الإشراف المباشر للحرس الثوري الإيراني.

لا يمكن وصف الانهيار المؤلم لنموذج الانتقال السلمي في اليمن، سوى بوجود تحالف واسع النطاق لرفض الديمقراطية التي أتاحت للإسلاميين المشاركة في السلطة بحصة ثقيلة من التفويض الشعبي، ما دفع بذلك التحالف إلى استباحة الديمقراطية وفرض بدائل سيئة لملء المشهد السياسي

لا تتوقف مخاطر استمرار التدهور الأمني والفوضى وعدم اليقين، على تكريس فشل السلطة الشرعية في الجغرافية التي حسمت فيها معركة خاطفة ضد الطموح العسكري للمشروع الانفصالي. الأمر في تقديري يمكن أن يؤثر بشكل خطير على معركة الحسم السياسي أو العسكري ضد الانقلاب في شمال البلاد، ويعيد ترسيخ نهج الإضعاف والإقصاء للمكانة السيادية للسلطة الشرعية، والمضي في أقصر الطرق لإنضاج التسوية مع الممسك بالجغرافيا والسلاح في صنعاء وبقية المحافظات الشمالية الواقعة في قبضته.

هناك احتمالان قاتمان قد تقذف بهما موجة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية؛ سيحدث ذلك إذا أفضى اتفاق محتمل مع إيران إلى إكسابها مناعة جيوسياسية، تتجلى في السيطرة المطلقة على مضيق هرمز، وتنامي قدرتها على تحويل المضيق إلى ورقة ضامنة لاستدامة النفوذ السيئ لأذرعها في المنطقة.

أما الاحتمال الثاني فقد يأتي كثمرة للتوظيف الإسرائيلي للرئيس ترامب في تقييد التيار السياسي العريض في منطقتنا بالعقوبات الأمريكية، مما يمنح تركة الأنظمة الشمولية فرصة للتحكم بدولنا وابتزاز شعوبها، على الرغم من عدم قدرة التصنيف والعقوبات على تحويل أكثر مكونات أمتنا حيوية وثباتا إلى مجرد أحجار جامدة أو حشود مصفدة بالأغلال في ساحات العبث السياسي للمفسدين.

لا يمكن وصف الانهيار المؤلم لنموذج الانتقال السلمي في اليمن، سوى بوجود تحالف واسع النطاق لرفض الديمقراطية التي أتاحت للإسلاميين المشاركة في السلطة بحصة ثقيلة من التفويض الشعبي، ما دفع بذلك التحالف إلى استباحة الديمقراطية وفرض بدائل سيئة لملء المشهد السياسي بالجماعات الطائفية والكيانات المسلحة، والمشاريع التفكيكية، مع استباحة لا سابق لها للسلم الاجتماعي بجرائم القتل المنظم التي لا تزال تضرب بقوة في العاصمة المؤقتة عدن جنوبا، في مقابل الاحتكار الكامل للعنف والقمع والتنكيل من جانب الحوثيين في شمال البلاد، ودخول التصنيف الأمريكي على خط الاستهداف المنسق لضرب التنوع السياسي في اليمن والمنطقة.

عربي21