عن سردية النائب المعمري حول معركة تحرير تعز
يتمتع الأستاذ علي المعمري بملكة سردية رائعة، تجلت في لقائه الأخير مع يمن بودكاست الذي يقدمه الزميل أسامة عادل، ودار في معظمه حول معركة تحرير مدينة تعز وجزء كبير من ريفها، والتي تولى الأستاذ المعمري منصب المحافظ فيها العام 2016.
ومن الطبيعي أن يتبدى الأستاذ المعمري للمشاهد صاحب موقع رئيس في السردية التي قدمها حول معركة تحرير تعز، ومع ذلك فإن الأمانة تقتضي وضع الأستاذ المعمري ضمن حدود الدور المشكور الذي قام به، عندما كان ينطلق من موقعه كأحد وجهاء تعز وممثليها في البرلمان، إلى جانب أنه شخصٌ يتمتع بديناميكية خاصة، ومجمل ذلك الدور على أهميته، لم يكن جزء من القرار العملياتي للحرب.
تطريز السردية بالأدوار والبطولات اقتضت من الأستاذ المعمري أن ينوه أحياناً إلى الدور الرئيس للمقاومة الشعبية بقيادة الشيخ حمود سعيد المخلافي، وحزب الإصلاح، غير أن ذلك اختفى في كومة من الأدوار التي عرضها باستفاضة، بعضها لمقاتلين من خارج المحافظة، وبعضها لشخصيات لم تكن عملياً في قلب المعركة وقيادتها ولم تكن جزءً من التطور الميداني بآلامه وتضحياته.
وأهم ما يمكن قوله إن سردية الأستاذ علي المعمري خفتَ فيها الألق الكبير للمقاومة وبطولاتها التي عشنا معها وواكبناها خطوة بخطوة عبر المتابعة الحثيثة واليومية لمجريات الحرب، في حين أن الدعم المقدم للمقاومة بدا، وفقاً لهذه السردية، كما لو كان هبة سخية ذهبت إلى جهة واحدة هي المقاومة الشعبية بشقيها الشعبي والحزبي الإصلاحي. وخطورة هذا النوع من الطرح أن ذهن الناس يبقى عالقاً عند الملايين، بغض النظر عن أنها لم تكن تفي إلا بالحاجة الضرورية، وصُرفت حينها لشراء السلاح والذخيرة وتأمين المؤمن والطعام والاحتياجات الضرورية للمقاتلين، وبقيت ذمة المقاومة وقائدها دائنة بالملايين لمن اضطرت المقاومة اللجوء إليهم لسد فجوة الدعم الحربي الميداني. كما أن وعي الناس استناداً إلى هذا النوع من السرديات يتشبع للأسف بالأفكار السيئة عن الأموال والمنح والمزايا ويتحول إلى حقد شخصي على الأبطال والشهداء والجرحى من رجال المقاومة، ليصل إلى حد نيسان التضحيات الشخصية للقادة والثمن الذي دفعه الآلاف من الذين تعج بهم مقبرة الشهداء في تعز.
تجنب الأستاذ المعمري في سرديته الشائقة التصريح المباشر بالدور الخطير للمؤتمر الشعبي العام والقوات العسكرية والأمنية التي كانت ترتبط عملياتياً بعلي عبد الله صالح، رغم أنه فصَّل مشكوراً في ذلك الدور على مستوى الترسانة العسكرية والمشاركة الشاملة للأولوية العسكرية المرابطة في تعز، والدور المُمِيت للقناصة الذين تخرجوا من الدورات القتالية للحرس الجمهوري بقيادة العميد طارق محمد عبد الله صالح.
معركة فتح طريق الضباب، كما جاءت في سردية الأستاذ علي المعمري، لم تكن منصفة، لأنه أغفل ذكر قائد المقاومة الشعبية ودبابته اليتيمة واللحظات العصيبة التي عاشها مع مقاتليه في ليلة 21-22 مارس 2016 قبل أن يتمكنوا بما يشبه المعجزة كسر الحصار وفتح خط تعز التربة في وادي الضباب، الذي كان محاطاً بمقاتلي تحالف الانقلاب، ويشاء الله أن تنتهي المعركة باندحار الأعداء لتتنفس تعز وسكانها الصعداء بعد أشهر عديدة ومريرة من الحصار.
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للعرض السردي الشيق الذي قدمه الأستاذ علي المعمري، فإن الضبابية التي اكتنفتها تقتضي التحرك من أجل صياغة تاريخ رصين ومنصف وموضوعي لمعركة تحرير تعز. وهذا الأمر يقتضي ابتداء التحرر الكامل من التحيزات الحزبية التي حاصرت هذه المعركة وأبطالها منذ اليوم الأول، بالمؤامرات والمكائد والتشويه.