هجوم أكبر من نتيجته
ثلاثة أعوام من التحضير الحوثي لمعركة غرب "تعز" وجنوب "الحديدة"، تكلل بهجوم واسع بدأ مؤخرا من محورين متزامنين، وانتهى حتى الآن إلى بضع تباب ومواقع لم يستطع الحوثة تثبيت سيطرتهم عليها، واستعاد الجيش والمقاومة الشعبية بعضها بعد انتزاعها.
أراد الحوثة من الهجوم ضربة حاسمة وسريعة تُحدث اختراقاً كبيراً في الجبهة، لأن بقية الأهداف التي حملها الهجوم كانت معلقة على هذا الاختراق.
الخطة التي وقفت خلف الهجوم أوسع من جغرافيا التباب التي دارت حولها المعارك. فمنذ نحو ثلاثة أعوام عمل الحوثة، بدعم وتخطيط إيراني، على التحضير لمعركة تستهدف السيطرة على الشريط الساحلي الممتد من "الخوخة" و"المخا"، وصولاً إلى "ذوباب" ومضيق "باب المندب". ولهذا تحرك الهجوم الأخير، في وقت واحد؛ من غرب محافظة "تعز" ومديرية "حيس" جنوب محافظة "الحديدة"، ضمن عملية واحدة كان هدفها فتح الطريق نحو "المخا" ثم "باب المندب".
السيطرة على غرب "تعز"، و"حيس"، كانت ستضع الحوثة أمام فرصة لعزل مدينة "تعز" عن ريفها الغربي، والضغط على مناطق الساحل التي تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية، وفي مقدمتها مدينة "الخوخة"- عاصمة محافظة الحديدة. أما الوصول إلى مدينة "المخأ" فكان سيمنح الهجوم وزناً عسكرياً وسياسياً مختلفاً، ويجعل "باب المندب" هدفاً مفتوحاً أمام تقدم لاحق.
الهجوم حمل اختباراً آخر يتعلق بتماسك الجبهات اليمنية التي تواجه الحوثة الذين أرادوا معرفة: ما إذا كان بإمكانهم ضرب كل جبهة منفردة بسبب ضعف التنسيق بينها؟ لكن معارك غرب "تعز" أظهرت تنسيقاً بين الجيش والمقاومة الشعبية في غرب تعز، مع قوات المقاومة الوطنية على ساحل تعز والحديدة، وهو أمر يُصَعِّب على الحوثة التعامل مع هذه الجبهات كمساحات منفصلة.
ومن خلال الهجوم، أراد الحوثة اختبار القوة التي راكموها منذ عام 2023، خصوصاً مع توسع عملياتهم الصاروخية والهجمات التي نفذوها في البحر الأحمر، ومعرفة: ما إذا كانت تلك الخبرة تستطيع التحول إلى قوة برية هجومية قادرة على شن معركة واسعة، وتحريك أكثر من محور، ومواصلة التقدم، ثم تثبيت ما تنتزعه على الأرض؟
وكانت السعودية حاضرة في حسابات الحوثة بطريقة مختلفة. فالهجمات التي نفذها الحوثة على السعودية، خلال نحو شهر، كانت تستهدف دفع الرياض إلى البقاء خارج أي قتال جوي داخل اليمن.
وأراد الحوثة من الهجوم الشامل غرب تعز وجنوب الحديدة أن يخرج السعوديون منه بانطباع أن قدرتهم على شن هجوم واسع داخل اليمن تعني امتلاكهم القدرة على تكرار الهجوم باتجاه الحدود السعودية. ولهذا حملت المعركة بالنسبة إلى الحوثة اختباراً للقدرة العسكرية ورسالة إلى السعودية في آن واحد.
وهذا الهجوم مرتبط مباشرة بحساب الحوثة تجاه المجتمع اليمني الواقع تحت سيطرتهم. فهم يدركون أن هذا المجتمع يحمل قناعة متجذرة بأن جماعتهم ضعيفة ويمكن هزيمتها عندما تواجه قوة عسكرية جادة ومنظمة.
أراد الحوثة أن يحققوا من هذا الهجوم انتصاراً كبيراً يمنحهم غرب تعز والمخا والمندب، ويهدم هذه القناعة من أساسها، ويجعل المجتمع اليمني يرى أمامه قوة قادرة على خوض حرب واسعة وتحرز انتشارات كبيرة وسريعة.
لكن الهجوم انكسر وتعثر قبل الوصول إلى هذه الغاية، فلم يحصل الحوثة على الانتصار الذي يحتاجونه لتغيير هذه النظرة.
يمن شباب نت