سيادة الرئيس..
وصلت البلاد إلى مرحلة صار فيها الانتظار أثقل من الحرب نفسها. كل يوم يمر يمنح عصابة الإمامة وقتاً إضافياً لترسيخ وقائعها وهيمنتها، بينما تخسر الجمهورية جزءاً جديداً من روحها وثقة شعبها.
لم يعد أمام اليمن طريق بلا كلفة، لكن الكلفة الأكبر أن يبقى واقفاً في المكان نفسه، وأن يتحول تأجيل القرار إلى جمود يخدم الإمامة المعادية.
غضب شعبك طوال فترة الجمود وفراغ السلطة. شخّص الناس طويلاً السلطة التي انسلخت عن ترابها ومصالح شعبها وصارت كائناً غريباً يدور في غرف بعيدة، عاجزة عن فهم شعبها، وغارقة في تفاصيل معقمة وباردة لا تصنع نصراً ولا تحمي كرامة ولم تكن يوما قادرة على الفعل. الشعب لا ينتظر خطاباً جديداً بقدر ما ينتظر اتجاهاً جديداً.
اللحظة تتطلب إعلان التعبئة العامة وخوض الحرب لكسر الإمامة الحوثية واستعادة روح اليمن. أصاب التحلل معنى الكرامة الوطنية والفاعلية السياسية والمروءة الاجتماعية، حتى بدت السلطة الشرعية عاجزة تماماً في لحظاتها الأخيرة.
الظروف تتغير الآن بسرعة، ومعها تتغير قواعد المواجهة. نافذة الحسم ليست مفتوحة إلى الأبد، وكل يوم يمر يمنح الامامة الحوثية فرصة إضافية لترسيخ سلطتها، وبناء نموذج أشد تعقيداً وأعلى كلفة على اليمن وبلاد الجزيرة العربية.
عبر عن إرادة فاعلة تهزم الجمود والركود وتصنع الواقع، وتوقف فوراً كافة الصراعات الجانبية وقرارات التعيين العبثية التي تهدف للترضية وتوزيع الامتيازات على الطفيليات المنفصمة عن روح المعركة وواقعها. هذا الشعب، برغم كل الخيبات، قادر على تحويل إحباطه وانعدام ثقته بالقادة إلى طاقة أمل وثقة، بمجرد أن يلمس صدقك وجرأتك في اتخاذ قرار المواجهة وحرب التحرير.
توجّه بحديثك إلى الداخل مباشرة، إلى شعبك واجعل الجزء الأكبر من اتصالاتك وتحركاتك ولقاءاتك اليومية مع الفاعلين الحقيقيين، مع الرموز والشيوخ والقادة المحليين والقبائل والأحزاب.. خفف من اللقاءات البروتوكولية مع السفراء الأجانب.. الدبلوماسية يفترض أن تتبع وتخدم تحركاتك الميدانية مع بلدك وشعبك.
الناس في تعز وصنعاء وإب والحديدة ومأرب والبيضاء والجوف لا يخوضون حربهم من أجل خرائط الملاحة الدولية.. يخوضونها لأن بيوتهم سُلبت، ومدنهم حوصرت، وجمهوريتهم تتعرض للإبادة. يخوضنها لأن الإمامة الحوثية ذلت اعناق الرجال.
اعترف علناً بأخطاء المرحلة القاتلة وصارح الشعب بمرارة الجمود الماضي بجرأة القادة وواقعية السياسة، فالاعتراف يبني جسراً حقيقياً من الثقة مع شعب أنهكته الإمامة المعادية واستنزفه عجز السلطة.الشعوب تلتف حول القيادة حين تلمس أنها بدأت صفحة جديدة.
راهن على مراكز القوة الداخلية، وتحرر من المخاوف التي جعلتك تخشى الاعتماد على القوى الشعبية والسياسية والاجتماعية والقبلية الفاعلة. رهانك الأول هو جيشك وقواتك المسلحة والمقاومة الشعبية.. ضعهم في رأس أولويات الدولة.. صن كرامة هؤلاء وعائلاتهم.. وجه ما أمكن من موارد لتأمين رواتبهم ومكافآتهم بانتظام، وتسليحهم بما يليق بفرسان الجمهورية. الجندي الذي يشعر أن دولته تحفظ كرامته يقاتل بروح مختلفة.
أجعل محاربي البلد في الميدان يتخلصون من ذلك الشعور الثقيل بالخيبة والاحتقار الذي ولدته فترات الجمود الطويلة وغياب الاهتمام وتأخر الرواتب. أصدر مرسوماً رئاسياً عاجلاً يقضي بتكريم كل شهيد، وتأسيس آلية وطنية ثابتة وراسخة لاعتماد الشهداء ورعاية أسرهم رعاية كريمة تليق بتضحياتهم.
وجه بصرامة غير عادية كافة المستشفيات الحكومية والخاصة للتعبئة العامة والطوارئ والجاهزية القصوى، وخصص لها الدعم المالي الكافي ليكون الجرحى شرفنا الأعلى.. يجب ألا يشعر جندي أو مقاتل بالعجز أو يواجه مشهداً ترفض فيه مستشفى استقبال رفيقه الجريح.
أتبع ذلك بتوجيهات رئاسية صارمة وحاسمة إلى السلطات المحلية والمكاتب التنفيذية في كافة المحافظات المحررة بوجوب احترام أفراد الجيش والمقاومة، ودمج هذه السلطات بكامل إمكانياتها في المعركة والتعبئة العامة.تحدث بلغة محلية دافئة وتكريمية عن أهلنا الرازحين تحت نير الإمامة في صنعاء.. إنهم أهلنا، وعزوتنا وربعنا، ومسؤوليتنا التاريخية والأخلاقية التي لن نتخلى عنها.
العالم يلتفت إلى من يملكون القوة والقدرة على الفعل.. وبناؤك لرصيد القوة المحلية والتحرير على الأرض هو وحده ما سيجعل المجتمع الدولي يلتفت إليك، ويحترم سلطتك. العالم يحترم الوقائع. كل كيلومتر تستعيده الدولة يغيّر لغة العواصم نحوك.عزز ثقة شعبك بجيرانه.. إنها معركة مصير مشترك، وكرامة مشتركة، ومصلحة متبادلة.
انزع عن نفسك المخاوف والحسابات الوهمية وتجاوز الاعتقاد الخاطئ بأن الجيران في السعودية يخشون وجود قائد يمني قوي أو ذي توجه مستقل. كن الشريك الفاعل والجاد الذي يبحث عنه الأشقاء اليوم.. حليف يملك القدرة والفعل على الأرض، يزيح عنهم الحسابات المعقدة ويكسب ثقتهم بالأفعال الميدانية ويزيح عنهم التوسلات الدبلوماسية.
الحوثي يبدو صلباً حين يوجه صواريخه نحو الخارج ونفط العالم. هناك تتحول صواريخه إلى أوراق ضغط. أما حين تعود المعركة إلى اليمن، فإن الصورة تختلف. هناك يبدأ الاحتكاك بمجتمع لم ينجح في كسبه، وبقبائل يراقبها بريبة، وبقطاع تجاري يعامله كخصم محتمل، وبجهاز إداري استنزفه دون أن يستطيع الاستغناء عنه، وبمراكز داخل جماعته تتنافس على المال والسلطة والنفوذ.
في الحرب المحلية تتراجع قيمة أدوات الردع الحوثية التي أزعجت الخارج.
اليمن يبحث عن قيادة تمنح الناس سبباً ليستعيدوا ثقتهم بالدولة، ويقودهم نحو نهاية تليق بكل هذا الألم.
*من صفحة الكاتب على فيسبوك