تحرير الدولار الجمركي والحرب على المواطن

حكومة الشرعية الفارغة قررت تحرير سعر صرف الدولار الجمركي على أساس 1560 ريالا للدولار الواحد. 

القرار قُدِّم باعتباره خطوة اقتصادية "إصلاحية". لكن مجلس القيادة نفسه بدا خائفا من نتائجه إلى درجة أنه اختبأ خلف صيغة "مصدر مسؤول" للترحيب به، كونه يدرك مسبقا أن الناس سيتعاملون مع هذا القرار بوصفه إعلان حرب جديدة على معيشتهم.

الإجراءات من هذا النوع قد تكون مفهومة داخل دول مستقرة تمتلك مؤسسات فعلية، وأجهزة رقابة على السوق، واليات إدارة ورقابة فعالة تكافح الفساد والتلاعب بالمال العام، وسلطة قادرة على فرض القانون على كبار التجار ومراكز النفوذ المتداخلة معها. 

في اليمن الصورة مختلفة إلى حد السخرية السوداء والقرف. نحن أمام سلطة هشة وصورية وفارغة، بالكاد تظهر في الواقع إلا عبر الرواتب والاعاشة والامتيازات والبيانات الرسمية المملة وتهئنة ملوك الخليج في الايام الوطنية لبلدانهم.

 سلطة عاجزة عن ضبط السوق، عاجزة عن حماية العملة، عاجزة عن فرض أي رقابة حقيقية وفعالة على شبكات الاحتكار والفساد والتلاعب بالمال العام، فيما مراكز وعصابات النفوذ داخلها نفسها مرتبطة ببيوت تجارية ضخمة ومتشابكة مع السوق الذي يُفترض أنها تنظمه.

ثم هناك هذا المشهد العبثي المقرف.. أكثر من سبعة آلاف شخص ومسؤول يمني يتقاضون رواتب وإعاشات مالية ضخمة بالدولار في العواصم الخليجية والعربية والأوروبية.

منصب وزير يحصل على سبعة آلاف دولار شهريا، ووكلاء ونواب يحصلون على خمسة آلاف دولار، وصحافيون وناشطون وحقوقيون ونسويات وهواة منصات التواصل يحصل كثير منهم على ثلاثة آلاف دولار شهريا، وكل ذلك معتمد رسميا من الحكومة والرئاسة تحت مسمى "الإعاشة المالية".

في السنة الأولى من تشكيل مجلس القيادة كانت الاعاشة المخصصة لهؤلاء الفرغ تستهلك أكثر من 11 مليون دولار شهريا.

 اليوم توجد تقديرات تتحدث عن وصول الرقم إلى ما بين 18 و20 مليون دولار كل شهر. قد يزيد أو ينقص، لكن السلطة الفارغة ترفض الكشف عن الرقم الحقيقي. إنها أسرار دولة. هذا سر الدولة الوحيد للسلطة العاطلة.

مبلغ الاعاشة يقترب من ضعف إجمالي رواتب الجيش التابع لوزارة الدفاع والموزع على مختلف الجبهات.

بلد يقترب شعبه من المجاعة، فيما سلطته وشبكاتها السياسية والإعلامية تعيش على اقتصاد دولاري منفصل تماما عن حياة الناس داخل البلد.

وفي الداخل؟ الأسعار انفجرت خلال عام واحد فقط. ما كان المواطن يشتريه بعشرة آلاف ريال صار يحتاج إلى عشرين ألفا.

 فوق ذلك يوجد أكثر من 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية وإنقاذية عاجلة. هذه ليست "أزمة معيشية". نحن أمام بنية مجاعة كاملة تتشكل أمام سلطة تواصل الحديث بقلة أدب عن الإصلاحات الشجاعة.

 الرئاسة والحكومة والبنك المركزي واللجنة الاقتصادية ظلوا في بداية العام نفسه يتحدثون بثقة عن تحسين الوضع المعيشي وضبط الأسعار واستقرار العملة. وما حدث هو العكس تماماً.

من أين يستجمع مجلس القيادة كل هذه الجرأة وهو يصف القرار بأنه "شجاع" . يا للهول. التعبير نفسه يبدو كأنه اعلان عملية عسكرية كبرى لتحرير صنعاء رغم الموانع الدولية والتعقيدات الإقليمية. 

 سلطة رخوة وهشة لم تعد أمامها من معارك وتحديات تخوضها سوى معاركها تجاه هذا الشعب المكشوف. 

بعدها مباشرة تُفتح المنصات لمجاميع مرتزقة الإعاشة كي يطلقوا هاشتاغات تمجّد "القرار الشجاع" من فنادق وعواصم بعيدة، بالدولار نفسه الذي يحميهم من السوق التي يُطلب من اليمنيين العيش داخل جحيمها اليومي.

هذه السلطة الفارغة صُممت لتكون محايدة أمام الحوثة إلى حد الشلل، ومتماسكة فقط حين يتعلق الأمر بنقل كلفة الانهيار إلى الناس. 

شديدة الرخاوة أمام عصابة الحوثة، وشديدة الحزم فقط مع مجتمع جائع ومنهك. 

مشهد مهين. شرعية يفترض أنها تكتسب معناها من التحرير واستعادة الدولة، ثم انتهت إلى إدارة المجاعة والاعاشة، وتسويق المأساة والانهيار بوصفه بطولة وطنية وشجاعة.

من صفحة الكاتب على فيسبوك