اليمن ومجلس التعاون.. العضوية أم الاندماج؟

طرح الدكتور أحمد الكواري رئيس مكتبة قطر الوطنية ضرورة دمج اليمن في مجلس التعاون، وهي فكرة تستحق النظر إليها من موقع يتجاوز سؤال العضوية نفسه؛ فالمشكلة التي يمثلها اليمن أكبر من أن يحلها مقعد في مؤسسة خليجية، ومصالح الخليج في اليمن أعمق من أن تتحدد بقرار إداري يضيف دولة إلى قائمة الأعضاء: المسألة تتعلق بنوع العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين اليمن والخليج، وبقدرة مجلس التعاون بصيغته الراهنة على إنتاج هذه العلاقة.

مجلس التعاون راكم خلال عقوده شبكة واسعة من التنسيق والمصالح بين دوله، لكنه لم يتحول إلى اتحاد سياسي واقتصادي وأمني بالمعنى الذي يمنحه أدوات اتحادية قادرة على إعادة بناء دولة منهكة. مؤسساته لا تملك سلطة فوق الحكومات، ولا موارد اتحادية بحجم إعادة إعمار اليمن، ولا منظومة أمنية مكتملة تستطيع التعامل مع اليمن باعتباره جزءاً من مجال أمني واحد. لذلك يمكن لليمن أن يصبح عضواً في المجلس من دون أن يصبح جزءاً فعلياً من الاقتصاد الخليجي أو شبكات النقل والاستثمار والأمن التي يحتاجها.

وهذا ما يجعل الحديث عن العضوية وحدها أقل من حجم الفكرة. العضوية قد تغير موقع اليمن داخل المؤسسة، بينما يحتاج اليمن إلى تغيير موقعه داخل المجال الخليجي نفسه.

من الغريب في سياق هذا النقاش أن يختار موقع «ثمانية» السعودي نشر دراسة ركيكة لكاتب يمني هامشي يبدو شديد العناية بالعلاقات العامة مع النخب السعودية، ثم تُستدعى عبارات مثل «التجانس البنيوي» و«الشفرة الجينية للتجانس الخليجي» لإضفاء مسحة بحثية على رغبة سياسية في إبقاء اليمن خارج المجلس. كأن الموقف يحتاج إلى قاموس أكاديمي كي يبدو أقل مباشرة. والنتيجة أن السياسة تُلبس ثوب المنهج، ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع الاستبعاد بوصفه اكتشافاً علمياً.

المشكلة في هذه الطريقة أعمق من ضعف الدراسة. تحويل فقر اليمن، وضعف دولته، وتنوع مجتمعه، واضطرابه السياسي إلى خصائص بنيوية ثابتة يمنح التاريخ هيئة القدر. ما صنعته الحروب والانقسامات وسوء الإدارة والتدخلات الإقليمية يصبح، في هذه القراءة، جزءاً من «تركيب جيني» لا يتغير؛ فتغدو الأزمة سبباً لإقصاء اليمن من الاندماج، مع أن الأزمات التي تعانيها دولة مجاورة هي تحديداً ما يجعل بناء علاقة إقليمية أعمق أكثر ضرورة.

وحتى فكرة «التجانس الخليجي» لا تصمد أمام الواقع الذي أنشأ مجلس التعاون نفسه. الفوارق بين السعودية وقطر وعُمان والكويت والإمارات والبحرين واسعة في السكان والمساحة والثروة وتركيب المجتمع ونظام الدولة والسياسة الخارجية والحسابات الأمنية، وقد ظهرت هذه الفوارق بوضوح في الأزمات والخلافات الخليجية المتعاقبة. المجلس لم يولد من تطابق بين دوله؛ نشأ في لحظة أمنية جعلت اختلافاتها أقل أهمية من وجود بيئة إقليمية مشتركة بعد الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية.

هذه نقطة تستحق التوقف عندها لأن التكتلات الإقليمية تُبنى عادةً لمعالجة واقع متباين، لا بعد اختفاء التباين. أوروبا نفسها لم تنتظر أن تصبح دولها متشابهة حتى تبدأ التكامل، وإنما جعلت المؤسسات الاقتصادية والسياسية وسيلة لتقليص آثار الحروب والتنافس والفوارق. الاتحاد كان أداة لإنتاج التقارب، لا شهادة على وجوده مسبقاً.

وإذا أخذنا هذا المنطق إلى اليمن، فإن عناصر الضعف التي تُستخدم ذريعة للإبعاد تحمل في الوقت نفسه مبررات قوية للاندماج. الاقتصاد اليمني يحتاج إلى سوق واستثمار وبنية تحتية مرتبطة بجواره، وضعف مؤسسات الدولة يفتح مساحات للتهريب والسلاح والتدخل الخارجي، والتنوع السياسي والاجتماعي يحتاج إلى دولة قادرة على إدارته. معالجة هذه المشكلات لا تتم بعزل اليمن عن محيطه، وإنما ببناء روابط تجعل استقراره جزءاً من مصالح الدول التي تتأثر بانهياره.

اليمن فوق ذلك داخل الأمن الخليجي بحكم موقعه، سواء اعترفت المؤسسات بذلك أم لا. الحدود السعودية، وباب المندب، والبحر الأحمر، والموانئ، وطرق التجارة وحركة السكان تجعل العلاقة مفروضة على الطرفين قبل أن تبدأ أي مناقشة حول العضوية. الحوثيون لم يحتاجوا إلى عضوية مجلس التعاون كي يصل تهديدهم إلى السعودية، وإيران لم تحتج إلى مقعد داخل المجلس كي تستخدم اليمن مساحة نفوذ في جنوب الجزيرة والبحر الأحمر. الصواريخ والمسيرات جعلت الجغرافيا أكثر وضوحاً من الخرائط السياسية، وتهديد الملاحة أظهر كيف يمكن لأزمة يمنية أن تنتقل خلال ساعات إلى التجارة الدولية.

لهذا فإن إبقاء اليمن خارج المؤسسة لم يُبقِ مشكلاته خارج الحساب الخليجي. السعودية دفعت بالفعل كلفة أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة نتيجة الصراع اليمني، ووصلت تداعياته إلى البحر الأحمر والملاحة. حساب كلفة دمج اليمن يحتاج بالتالي إلى وضع كلفة تركه في حالة انهيار داخل الحساب نفسه. السنوات الماضية تقول إن عدم الاستثمار في استقرار اليمن لا يلغي الكلفة؛ ينقلها من بناء الدولة والتنمية إلى الحرب والاحتواء والدفاع والاستجابة للأزمات.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يقود تلقائياً إلى جعل العضوية علاجاً. مجلس التعاون، بتركيبته الحالية، لا يستطيع وحده إعادة بناء اليمن، كما أن توسيع عضويته لا يخلق تلقائياً الأدوات التي يفتقدها. المطلوب صيغة دمج أوسع من المؤسسة نفسها، تبدأ من المصالح التي يمكن بناؤها على الأرض.

السعودية هي الطرف الأكثر قدرة على قيادة هذا المسار بحكم الحدود والثقل الاقتصادي والموقع داخل الجزيرة والمصلحة المباشرة في أمن البحر الأحمر. ويمكن لعلاقة سعودية يمنية استراتيجية طويلة الأمد أن تشكل نواة لمشروع خليجي أوسع، يقوم على الاستثمار في الطاقة والموانئ والنقل والزراعة والصناعة، وربط الأسواق، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل التجارة وحركة العمالة، ودعم بناء مؤسسات الدولة، وإقامة ترتيبات أمنية تجعل حماية الحدود والموانئ والممرات البحرية مصلحة مشتركة.

المقصود ليس تحويل اليمن إلى اقتصاد يعيش على التمويل الخليجي، فالمساعدات وحدها أبقت العلاقة في دائرة الاعتماد ولم تنتج قدرة يمنية مستقلة. الرهان الحقيقي هو بناء اقتصاد يستطيع إنتاج موارده، ومؤسسات تستطيع إدارة الدولة، وأمن يستطيع حماية الحدود والموانئ، وشبكات تجارية تجعل اليمن منتجاً للمصلحة الخليجية ومستفيداً منها في الوقت نفسه. عندما تصبح الموانئ اليمنية جزءاً من حركة التجارة الإقليمية، والطاقة والبنية التحتية والاستثمار مصالح مشتركة، يصبح استقرار اليمن قيمة اقتصادية ملموسة، لا مجرد مطلب أمني.

يمكن لمجلس التعاون أن يكون مظلة لهذا المسار، وقد تأتي العضوية في مرحلة لاحقة بوصفها ترجمة مؤسسية لعلاقة أصبحت قائمة بالفعل. أما البدء بعضوية لا تحمل وراءها اندماجاً اقتصادياً وأمنياً وتنموياً عميقاً، فيمنح اليمن صفة جديدة داخل المؤسسة من دون أن يغير الشروط التي جعلت أزمته خطراً على جواره.

والتجربة اليمنية يمكن أن تكون اختباراً أيضاً لقدرة مجلس التعاون على إعادة تعريف مجاله. أمن الخليج لا يتوقف عند الحدود الرسمية للدول الأعضاء، والتجارة الخليجية لا تنتهي عند سواحلها، واستقرار الجزيرة لا يمكن تقسيمه وفق خرائط العضوية. إذا كانت المخاطر التي تمس السعودية والخليج تستطيع أن تأتي من دولة خارج المجلس، فإن المجال الأمني الذي يحتاج إلى إدارة أوسع من المجال المؤسسي الذي أنشأه المجلس.

لذلك تبدو العضوية جزءاً من الإجابة، لا الإجابة نفسها. اليمن يحتاج إلى دخول المجال الخليجي اقتصادياً وأمنياً وتنموياً قبل أن يصبح السؤال عن مقعده داخل المجلس هو مركز النقاش. والخليج يحتاج إلى سياسة تجعل استقرار اليمن مصلحة مباشرة له، بدلاً من انتظار الانهيار ثم دفع ثمن احتوائه.

اليمن حاضر في أمن الخليج بحكم الجغرافيا، وحاضر في اقتصاده المحتمل بحكم الموقع والموانئ والموارد والسوق. ما ينقص هذه الحقيقة هو أن تتحول إلى سياسة ومؤسسات ومصالح متشابكة. عندها تصبح العضوية ذات معنى، لأنها ستعبّر عن اندماج سبقها وأعطاها مضموناً، لا عن توسعة شكلية لمجلس لم يكتمل اتحاده بعد.

المصدر: يمن شباب نت