نقد التعريف الجغرافي
إذا استجبنا للتعريف الجغرافي وكتبنا وفقًا لـ"شمالي وجنوبي"، فقد منحنا مشروع التقسيم اعترافًا ضمنيًا، وأذكيناه بوقود الكلمات والتثاقف.
ليكن خطابنا منسجمًا مع ما نعلنه من مواقف وتصورات. فإذا كنت وحدويًا، فلتكن الخارطة الممتدة أمامك، بتضاريسها واتجاهاتها، يمنًا فحسب؛ يمنًا يمتد من صعدة حتى عدن، ومن عدن حتى المهرة، دون استجابة لأي علاقة عاطفية أقرب أو أبعد مع إقليم أو مدينة.
دعك من مصطلح "جعاربة"، ومن يقطن في عدن وهو وحدوي لا يجدر به استخدام هذا المصطلح أيضًا.
يمنيون فحسب. يسعى بعضنا إلى الانفصال دون إدراك أن إرادة خارجية آثمة تمضي نحو تعريفه كإقليم قابل للضم إليها، لا كدولة بتعريف شطري تمتلك السيادة على الموانئ والجزر، وتمتلك القرار والقدرة والحق في اختيار طبيعة وأولويات تحالفاتها الخارجية، وقرار استثمار مواردها ومناطقها الحيوية.
هذا يقيني تمامًا، ومن لا يراه من إخوتنا في جنوب الوطن فقد أعمتْه انفعالاته وغضبه، وربما أيضًا تصوراته البريئة لما يضمره الحيران الأثرياء، متوهمًا أنهم على وشك إدماجه في حياتهم الباذخة ضمن مجلس تعاون خليجي لم يعد موجودًا حتى. هم لن يضموك كدولة، ولن يفتحوا لك خزائن الأرض مع رحيل آخر جندي من ريمة، إطلاقًا.
وها أنت ترى؛ سنوات مضت ولم ينزل عليكم المنّ والسلوى. على العكس، تدهورت كل المرافق في عدن مثلًا، وأضحت أكثر عطبًا وسوءًا من أسوأ أيام الوحدة. ولم يُقدَّم المليار الأخير إلا بعد قرار باجتياح حضرموت، والمبلغ ليس لمشروعات الطاقة المزعومة بقدر ما هو رشوة لمزيج الانتقالي والشرعية، وسيقتسمه الهوامير كالمعتاد.
سيشرعون فقط في تهيئتك للأقلمة واقتسامك، وإن اضطروا في سبيل ذلك إلى ارتجال صراع جنوبي–جنوبي.
أي انتعاش لميناء عدن يمثل تهديدًا لميناء دبي وشركة موانئ جبل علي، ولا يمكنهم حتى توظيفه؛ لأن موقعه لا يصلح إلا لتهديد موانئهم. لذلك سيبقونه، ويُبقون المدينة، في حالة عطب دائم.
أتعتقد أنهم أنفقوا كل هذه الأموال لأجل منحك دولة جنوبية على سبيل الإنسانية ثم يمضون مطمئنين إلى استقلال الجنوب وأنه سيكون بخير؟ يفترض بنا ملاحظة أن نسبة تتجاوز 90% من هذه الأموال أُنفقت على الخراب، لا على البنى التحتية.
أنت موضوع استثمار جغرافي مستقبلي، لا سياسي بالدرجة الأولى. وهذا الاستثمار مشروط ببقائك ضمن خياراتهم، وانتقائهم ما يصلح منك وما ينبغي التخلص منه. قد يمنح السوقطري جنسية إماراتية وحقوق مواطنة كاملة، لكنه لن يمنح الضالعي تأشيرة.
أما فكرة الضم، فلن تستهدف يافع مثلًا أو أبين والضالع. هذه المناطق لن تُستثمر إلا في ارتجال أسباب صراع جنوبي–جنوبي أو تهديد أقاليم شمالية وفق تصوراتهم. هي، في جوهرها، عملية ضم لسقطرى وحضرموت، ومقايضة مع عُمان على المهرة.
سقطرى كنز هائل، يكادون لا يصدقون أن بوسعهم الاحتفاظ به حقًا. إنها تمثل دولة إضافية لدولتهم، ولكن ببيئة ومناخ ليسا أفضل مما لديهم فحسب، بل أقرب إلى الكمال. ولا توجد مطالب استقلالية لسكان الجزيرة، كما أن أوضاعهم، رغم الاحتياجات، تدفع كثيرين لتقبل الأمر بسلاسة.
إنها أرض بلا جماعات محلية منظمة قادرة على توجيه أو تحديد خيارات الجزيرة، ولا نزعات أيديولوجية حادة. مجاميع السكان السوقطريين على درجة من البساطة والقناعة أيضًا، وكأنها أمريكا لحظة اكتشفتها أوروبا.
لنعد إلى أصل الحكاية، وإلى ما ينبغي، وإلى مسؤوليتنا تجاه وطننا وأهلنا في كل منطقة يمنية: لا سجالات مناطقية، ولا تعريفات حصر جغرافي، والأهم لا هجاء ولا تحديات.
وعلى كل ما حدث، يجدر بنا الآن جميعًا، وفي حال رأى كل كاتب وناشط مكمن الخطأ وأسباب الخراب، أن يتقمص شخصية رجل إطفاء في لحظة تتفاقم فيها حرائق وطن.
*(من صفحة الكاتب)