الصراع على البحر…طريق الزعامة العالمية

خلال القرن السادس عشر، وبعد سقوط غرناطة، أواخر القرن الخامس عشر، كان للإسبان والبرتغاليين سيطرة بحرية هائلة، وخاصة بعد أن رفدوا خزائنهم بكنوز الأراضي الجديدة التي استعمروها في أمريكا الجنوبية، وهي الكنوز التي رفدت خزائن البلدين بالذهب الذي تحول إلى ذخيرة عسكرية بحرية، انطلقت بفعلها الأساطيل تجوب المياه الدولية، وتنتزع السيادة البحرية من العثمانيين الذين كانوا سادة البحار والمضائق الدولية، قبل الإسبان والبرتغاليين.

البريطانيون – بدورهم – كانت لهم مع البحار قصص وحكايات لا تنتهي، فقد تنبهوا إلى أهمية البحر في السيطرة على البر، ومن ثم الوصول إلى مناطق الشرق البعيد، بعد السيطرة على طرق الملاحة البحرية التي أوصلتهم إلى الهند، إثر بناء الأسطول الأقوى عالمياً حينها، ذلك الأسطول الذي وسعه هنري الثامن الذي رأى أن التحول الإمبراطوري يقتضي «السيطرة البحرية».

وقد ساعدت سيطرة الإنكليز على اسكتلندا على التفرغ للتوسع عبر البحار، حيث أصبح البر البريطاني تحت سيطرة التاج الإنكليزي، ولم يعد هناك عدو بري يهدد إنكلترا التي سيطرت على كامل الجزيرة البريطانية، وهو ما أتاح الفرصة لبناء قوة بحرية كان لها دور فيما بعد في الهيمنة البريطانية على ربع اليابسة، وعلى حوالي ربع السكان في العالم، مع توسع نفوذها الاستعماري، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وإلى النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن تغرب شمس «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس».

ومع توالي الأحداث مرّ على بريطانيا ما يمر على الإمبراطوريات من عوامل الضعف والسقوط، فبدأت تلك الإمبراطورية في الذبول والتراجع، مع صعود قوى جديدة في بداية القرن العشرين، مثل الألمان والأمريكيين، لينتهي المطاف بالبحار تحت السيطرة الأمريكية التي انتزعت زعامة العالم، بفعل أسطول عسكري هو الأضخم في التاريخ البشري، مكن الولايات المتحدة من أن تصبح القوى الأعظم اليوم، حيث تجوب أساطيلها البحار والمضائق المائية.

وكما كان الموقع الاستراتيجي لبريطانيا المحاطة بالبحار يوفر لها حماية من الغزو الأجنبي، ويهيئ لها الفرصة للتركيز على التمدد عبر البحار، والسيطرة على طرق الملاحة، فإن موقع الولايات المتحدة البعيد، والدرع المائي وفر لها فرصة حماية كافية من أي غزو في تاريخها الحديث، الأمر الذي مكنها من التمدد عبر البحار، لحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.

من هنا ينظر الأمريكيون لأزمة مضيق هرمز، وقدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة عبره على أن ذلك ليس مجرد أزمة ملاحية وحسب، ولكنه تهديد فعلي للتفوق البحري الأمريكي، حيث يعتقد الأمريكيون – وهم محقون في ذلك – أن ريادتهم الدولية نتجت عن عدة عوامل، في مقدمتها تأمين حركة الملاحة، عبر البحار والمضائق الدولية، الأمر الذي يعد مهمة عدد كبير من السفن الحربية والمدمرات وحاملات الطائرات والغواصات الأمريكية حول العالم.

إن الخلل في حركة الملاحة البحرية في الخليج العربي لا يعد مجرد خلل في تدفق إمدادات الطاقة العالمية، وما يتعلق بها من منتجات، وحسب، ولكنه يفهم أمريكياً على أنه إشارة ضعف يمكن أن تلتقطها أطراف متعددة إقليمية ودولية، وهذا ما لا تريده واشنطن، في وقت تواجه فيه تحديات خطيرة، في شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، ناهيك على تحديات أخرى في محيطها القريب.

وقد كان هاجس الريادة البحرية ولا يزال مسيطراً على العقل السياسي والأمني الأمريكي، وذلك لإدراك الأمريكيين أن «سادة البحر» هم سادة التجارة العالمية، وأن طرق التجارة البحرية هي وسيلة الصناعة والزراعة للوصول إلى المستهلكين في كل مكان، وهذا هو الذي جعل إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان تتخذ قراراً بحماية الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، خلال «حرب الناقلات»، حين أمر ريغان بمرافقة السفن الحربية الأمريكية لناقلات النفط الكويتية، ثم وسع الحماية لتشمل كل ناقلات النفط في الخليج والمضيق.

وعلى الرغم من أن إغلاق إيران لمضيق هرمز يؤثر على أوروبا والصين أكثر من أثره على الولايات المتحدة إلا أن دافع «زعامة البحار»، ورفض تحدي أية قوة أخرى للزعامة الأمريكية، وخشية اهتزاز صورة القوة الأمريكية، كل ذلك يدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحصار الموانئ الإيرانية، كي تكف طهران عن سلوكها في تعطيل حركة الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.

ومع ذلك، وبما أن النظرة الكلاسيكية الأمريكية للأمن القومي ترتكز في جانب منها على ما يوفره موقع الولايات المتحدة وتضاريسها الداخلية من حماية جغرافية، فإن الملحوظ أن هذه النظرة تتعرض للامتحان، بفعل التطور الكبير في صناعة السفن والغواصات الحربية الصينية التي تهدف – في جانب منها – لحماية المشروع الصيني الكبير المتضمن في «مبادرة الحزام والطريق»، الأمر الذي يشكل هاجساً كبيراً لدى الأمريكيين، ليس بسبب النزاع في بحر الصين الجنوبي، ولكن بسبب المخاوف من القدرات النووية للبحرية الصينية، والخشية من كسر قاعدة «الحماية الجغرافية أو الدرع المائي»، بعد التطور الملحوظ في تلك القوة البحرية، عدا عن محاولات روسيا استعادة مركزها البحري، وتكثيف حضورها في البحر الأسود والمحيط الهادئ، الأمر الذي يشكل قلقاً متزايداً لواشنطن التي تكافح للاحتفاظ بالزعامة العالمية، من خلال بقائها القوة الأعظم في البحار والمحيطات.

إن تحول الدول إلى امبراطوريات مرهون بالسيطرة على طرق التجارة العالمية، وفي المقدمة من ذلك السيطرة على طرق الملاحة البحرية، وقد أدرك اليونانيون والرومان والبيزنطيون والعرب أهمية البحر، وسعى العثمانيون للسيطرة على طرق التجارة العالمية في البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، لحرمان الأوروبيين منها، الأمر الذي كان له أكبر الأكثر في اندفاع أوروبا للبحث عن طرق بحرية جديدة بعيداً، عن سيطرة العثمانيين، من أجل الوصول إلى الهند وشرق آسيا، قبل أن يضعف النفوذ البحري العثماني، ليصبح الأوروبيون، ومن ثم الأمريكيون «سادة البحر»، إلى اليوم، وهي السيادة المرهونة بمدى القدرة على حماية طرق الملاحة البحرية، كشرط أساسي، للريادة العالمية التي تتلاشي شيئاً فشيئاً مع تضاؤل «السيادة البحرية»، على طرق التجارة العالمية.

القدس العربي