الخليج العربي بين خطابين: الاستشراقي والشعوبي

تتكئ نظرة بعض الدوائر الإقليمية والدولية للخيج العربي على أساس أنه مجموعة من الدول الغنية والهشة، في الوقت ذاته، أو حسب التعبيرات الشائعة عن “الخليج برميل نفط”، و”دول البترودولار”، التي تعاني من “تخمة مالية”، وغيرها من تنميطات كلاسيكية.

وتتمادى هذه النظرة لدى الكثيرين، لتدخل تخوم العنصرية، بتصنيفات محددة، مستفيدة من قاموس عنصري بغيض، يصبغ أبناء هذه الدول بصبغة “البداوة – بتداعياتها السلبية – والتخلف والغباء، وعدم استيعاب منتجات الحداثة”.

نرى شيئاً من هذه النظرة في وسائل الإعلام – وإن بشكل أكثر حذراً – وفي وسائل التواصل، كما نراها في السينما والمسرح والأعمال الدرامية، وفي لغة الخطاب السياسي والثقافي، وهي نظرة لا تخلو من التأثر بشوائب قواميس استشراقية وشعوبية، غربية وشرقية، حيث تحدد العوامل الدينية لغة الخطاب الاستشراقي، كما توجه العوامل الطائفية لغة الخطاب الشعوبي، ضد العرب، ودول الخليج على وجه التحديد.

على الجانب الاستشراقي الغربي نرى مصطلحات تشمل العرب والمسلمين جميعاً، لكنها تنال على وجه التحديد من العرب، وعلى وجه الخصوص شعوب الخليج والجزيرة الذين يصورهم الاستشراق العالمي – على المستوى الروحي والمعرفي – شعوباً ينتشر فيها التخلف والتطرف والانغلاق، فيما كانت تطالعنا – على المستوى المادي الغرائزي – استشراقياً – صورة “الأمير المترف” الذي يسرف في الملذات، ويتتبع الشهوات، في تنميط يحاول به الاستشراق – المختبئ في وسائل الإعلام وأدوات الفن – اختصار العربي في محددات غرائزية ضيقة. وبذا يضيف القاموس الاستشراقي الحديث إلى مصطلحاته القديمة مصطلحات جديدة مثل الإرهاب والفساد وعدم الاستحقاق والانغلاق، ورفض قيم الحداثة، والتخلف القيمي والأخلاقي.

وعلى الجانب الشعوبي الشرقي نجد لغة الخطاب تصف العرب، وخاصة سكان الخليج والجزيرة بأوصاف لا تختلف كثيراً عن تلك التي نجدها لدى ذاتها لدى قاموس الاستشراق الغربي. فالعرب عند الشعوبيين القدامى هم مجموعة من “الأعراب، أكلة الضباب، شراب بول البعير”، وغيرها من الألفاظ العنصرية التي تعج لها لغة الملحمة الفارسية “الشاهنامه” لشاعر الفرس المعروف الفردوسي.

وفوق ذلك يضيف الخطاب الشعوبي الجديد لمصطلحاته العنصرية القديمة مصطلحات أخرى، من مثل: “متآمرون، إرهابيون، دواعش، مرتزقة، عملاء أمريكا وإسرائيل”، وغيرها من أوصاف يعج بها هذه الخطاب العنصري الذي لا يختلف في شيء عن الخطاب العنصري الاستشراقي القديم والحديث.

ومع أن هذه اللغة، وهذه النظرة العنصرية تبدو صادرة عن سياقات غربية وإيرانية قديمة وحديثة، إلا أن بعض المثقفين والإعلاميين العرب تأثروا كثيراً – مع الأسف – بتلك النظرة الدونية العنصرية لأشقائهم، في الخليج والجزيرة، وبشكل لا واع وجدنا بعض الأقلام العربية تعيد إنتاج مفردات قواميس الاستشراق الغربي، والشعوبية الفارسية الموجهة ضد شعوب عربية، تمثل في الأساس سكان الأرض التي خرج منها الإسلام، وأشرقت فيها “شمس الله”، حسب تعبير المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه.

ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وبفعل سيطرة الخطابين: الاستشراقي والشعوبي، وتأثر بعض المثقفين والكاتب والإعلاميين العرب بهذين الخطابين ظهرت بعض المواقف التي تنحاز لصالح إيران، في استهدافها لدول الخليج العربي، مع أن الموقف الأخلاقي والقومي – وحتى السياسي النفعي – يحتم على هذه الأقلام التضامن مع الأشقاء الذين يخوضون حرباً مشروعة، في الدفاع عن النفس، ضد عدوان إيراني سافر يستهدف المنشآت المدنية من موانئ ومطارات ومنشآت طاقة ومناطق سكنية وبعثات دبلوماسية، بحجة ضرب قواعد أمريكية في تلك الدول، في حين أن تلك الدول منعت استخدام تلك القواعد، في الهجوم على إيران.

كان الموقف الأسلم – والحال تلك – أن يكون التضامن مع إيران، ضد الهجمات الإسرائيلية على أراضيها، دون خلط الأوراق، وتبرير العدوان الإيراني على دول الخليج، بحجة أن إيران تدافع عن نفسها، وأن هجماتها على دول الخليج “ردة فعل طبيعية ومبررة”، وهو التبرير الذي ينبعث من أعماق قصية في اللاوعي المتأثر بشكل – واضح – بلغة الخطابين: الاستشراق الغربي والشعوبي الفارسي.

ولكن هل بالفعل تنطبق على دول وأنظمة وشعوب الخليج مثل هذه التنميطات الساذجة التي لا تزال تبحث لها عن حضور، لدى مجموعة من الدوائر إقليمياً ودوليا، رغم تجاوز الزمن؟

الواضح أن الزمن الذي يعمل عمله في الإنسان – فرداً ومجتمعاً – تكفل بتجاوز هذه الصور النمطية المتخيلة، إذ أن “الخليج المتخيل”، في العقلية الاستشراقية والشعوبية، هذا الخليج غير موجود إلا في هذه المخيلة المريضة بالعنصرية، وفي تلك اللغة المثقلة بحمولاتها التاريخية، وانتفاخاتها الحضارية التي لا تنطبق على دول وشعوب الخليج، وهي اللغة التي لم تنتج أساساً إلا عن نظرة عنصرية استعلائية، مثيرة للسخرية.

لقد أنفقت دول الخليج في الواقع الكثير من ثرواتها على التعليم والصحة والتطوير الحضاري والبحث العلمي، والمجالات الثقافية والفنية، والتقدم التكنولوجي، وبرامج الذكاء الاصطناعي، وعلى برامج التسلح، وأنظمة الدفاع، بما يجعلها اليوم تتصدى للاعتداءات الإيرانية، بشكل يناقض صورتها لدى المخيال الاستشراقي والشعوبي الذي يصورها دولاً هشة، لا تستطيع الصمود، أو أنها “دول زجاجية”، أو “كيانات ديكورية” يمكن أن تهتز مع وصول أول صاروخ يطلق عليها.

واليوم، وعلى الرغم من آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية التي تطلق بشكل يومي على دول الخليج، وعلى الرغم من توقعات انهيار بعض هذه الدول، أو سقوط “مدن الزجاج”، كما يحلو لأصحاب القاموس الشعوبي أن يطلقوا عليها، على الرغم من ذلك كله، إلا أن هذه الدول صامدة، وتعمل أنظمة دفاعها بشكل مدهش، في صد العدوان، وصمد مواطنوها والمقيمون فيها، ولم نجد انهيار “الأبراج الورقية” التي لم تكمن إلا في المخيلات المريضة لدى الاستشراقيين والشعوبيين الجدد.

ونقطة أخيرة: النفط ليس العامل المؤثر الوحيد في نهضة الخليج، لأن النفط موجود لدى كثير من الدول التي ازدادت مع النفط فقراً وبؤسا، وإيران أكبر مثال على ذلك. المسألة تتعدى النفط إلى اقتحام هذه الدول ميادين العلوم والتكنولوجيا، واهتمامها بالتنمية، وتنويعها مصادر الدخل القومي، وتفعيلها وسائل الحوكمة الرشيدة، والرقابة والمحاسبة والشفافية، واقتراب الحكومات من الناس، وتوثيق عرى العقد الاجتماعي بين الحكام والشعوب، وترشيد الخطاب السياسي والثقافي، وما لا يمكن حصره هنا من أدوات ووسائل وظفتها دول الخليج لخدمة شعوبها.

الخلاصة: الخليج والجزيرة ليسا ما يراهما قاموس الستينيات الأيديولوجي، ولا ما هو موجود في مخيال اليمين الغربي المتطرف الذي يعد المنتَج الأساس للاستشراق القديم والجديد، وليس الخليج ما تصوره مخيلة النظام الطائفي الإيراني الذي يعد الوريث الأساسي للشعوبية القديمة والجديدة.

القدس العربي