إيران… تغيير الوسائل لا الأهداف

خلال الأسابيع الأخيرة كثفت عدد من الدول العربية والإسلامية تواصلها مع الإدارة الأمريكية، لتحاشي توجيه واشنطن ضربة عسكرية للنظام الإيراني، على خلفية برنامجه النووي، وقد أكد المسؤولون الأمريكيون أن تلك الدول ضغطت على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للعودة لطاولة الحوار، مع إيران، وإعطاء الدبلوماسية فرصتها التي ربما تكون الأخيرة.

جاء تصرف هذه الدول من منطلق الحرص على عدم زعزعة الاستقرار في المنطقة، وهو الحرص الذي يمثل طوق النجاة للنظام في طهران.

وخلال الأسابيع الماضية، وعلى مدار الساعة كان عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، في اتصالات لا تنقطع، ورحلات مكوكية بين عواصم دول عربية وإسلامية، طالباً “فزعة” هذه الدول ووساطتها لدى الرئيس الأمريكي، لإقناعه بالحل التفاوضي، بدل الحرب، على الرغم من أن هذه الدول هي التي أنشأ النظام الإيراني ميليشياته، بغرض تطويقها وزعزعة استقرارها، إرضاء لغروره الامبراطوري، وأحقاده الطائفية، وهي الدول التي نشطت في بعضها مخابراته وشبكات تجسسه، للأهداف ذاتها.

وعلى الرغم من تاريخ طويل من تدخل النظام في شؤون بلدان عربية وإسلامية عدة، بدعوى “تصدير الثورة”، إلا أن النظام لم يتورع عن طلب نجدة هذه الدول، ووساطتها لدى ترامب، حيث تحركت طهران، وفقاً لغريزة الخوف التي تحكم سلوكها هذه الأيام، رغم محاولات التجلد الظاهرة.

ولكن، كيف استقبلت طهران توسط الدول العربية والإسلامية لدى ترامب؟

في تصريح نادر قال كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية إنه: “يجب أن نعترف بأننا ارتكبنا أخطاء كثيرة في مجال علاقاتنا مع جيراننا”.

خرازي يتحدث تحديداً عن مبدأ “تصدير الثورة”، وعن الأسلوب الإيراني الذي يعتمد على “أولوية إقامة العلاقات مع الشعوب”، وهو أسلوب يؤدي إلى تجاوز التمثيل الرسمي للشعوب عبر الحكومات إلى توطيد العلاقات مع الميليشيات والشرائح المختلفة، بعيداً عن الأطر الرسمية، وهو الأسلوب الذي اعتمدته طهران في بناء ميليشياتها الولائية، على اعتبار أن هذه الميليشيات هي – وليس الحكومات – التمثيل الحقيقي للشعوب، من زاوية النظر في طهران، وهذا الأسلوب هو الذي دأبت عليه إيران منذ نهاية حربها على العراق في ثمانينيات القرن الماضي، وحتى اليوم، الأمر الذي أشعل الفتن الطائفية، والحروب الأهلية في أكثر من بلد عربي.

وهنا يبدو أن التصريحات بضرورة المراجعة هي تصريحات إيجابية، لولا أن خرازي واصل تصريحاته، وقال إن “تصدير الثورة ما كان ينبغي أن يجري بطرق وأساليب غير صحيحة”، بل “كان يمكن أن يجري بطريقة صحيحة”.

وهنا يتجاهل المسؤول الإيراني الواقع المتمثل في أن مبدأ “تصدير الثورة” – الذي يعني نشر الفتن الطائفية – كان كارثة على علاقات إيران بجيرانها، بل إنه كان الكارثة التي قتلت وشردت ملايين العرب، خلال السنوات الماضية، في كل من العراق واليمن وسوريا ولبنان.

المسؤول الإيراني لا يرى بأساً في مبدأ “تصدير الثورة”، والمشكلة – من وجهة نظره – إنما تكمن في الطريقة التي تم بها تصدير هذه الثورة. وهنا يمكن الإشارة إلى أن خرازي يؤمن أن هذا المبدأ مصان بنص دستوري لا يمكن تجاوزه، وبالتالي فإنه لا يمكن التراجع – من وجهة نظر خرازي- عن هذا المبدأ، ولكنه ينادي بإعادة النظر في وسائل تصدير الثورة، تلك الوسائل التي يرى أنها هي – وليس المبدأ – كانت السبب في الإضرار بعلاقات إيران بجيرانها.

هنا تتجلى إشكالية هذا النظام الذي لا يرى بأساً في الغايات، بل في الوسائل، ولا يرى تغيير الاستراتيجيات الخاطئة، بل يفضل تغيير التكتيكات “غير الصالحة”.


ولذا فإن تفاؤل الذين يعولون على تغيير هذا النظام سلوكه لا يبدو واقعياً، إذ أن لدى النظام قدرة كبيرة على تغيير مظهره، دون جوهره، لأن جوهره مرتبط بعقيدة دينية، يكفر من تخلى عنها.

هذه العقيدة تقوم – في الأساس – على نفي الآخر وتكفيره واستحلال دمه وماله وأرضه وسيادته، لأن هذا الآخر لا يؤمن بالولاية التي يراها هذا النظام الثيوقراطي ركناً من أركان الإسلام.

مشكلة خرازي – إذن – هي في الأسلوب، أما مبدأ “تصدير الثورة” فلا خلاف عليه، رغم أنه يعني التدخل السافر في شؤون الدول، والعمل على ضرب وحدتها وانسجامها الطائفي وسلمها الأهلي، كل ذلك لا يهم، ولكن ينبغي – من وجهة نظره أن يتم ذلك – بصورة ذكية دون أن تجلب على إيران المشاكل.

وهنا تشكل تصريحات خرازي نموذجاً على نوعية التغيير الذي يمكن أن يطرأ على سلوك النظام الإيراني، وهو تغيير تقول المعارضة الإيرانية إنه شكلي، ويأتي كتكتيك لتفادي الصعوبات التي يواجهها النظام، وهو أشبه بتكتيك الانحناء للعاصفة الذي دأب النظام على اتباعه.

ومع ذلك يبدو أن النظام يتنازعه اليوم شعوران متضادان: شعور بالخوف من الآلة العسكرية الأمريكية، وهو شعور مفهوم، وشعور آخر بالخوف من تصدع صورته داخلياً، ومن ثم تصدع المحور الإيراني خارجياً.

ولكي يوفق النظام بين الشعورين المتضادين فإنه لجأ – فيما يبدو – إلى مناولة الرئيس ترامب ما يريد من تحت الطاولة، وإظهار نوع من التحدي فوق الطاولة، ولولا أن ترامب لا يحبذ الحفاظ على ما يتم تناوله تحت الطاولة، ولولا أنه يفشي أسرار التواصل السياسي، لكان النظام في وضع مريح، يستمر معه في اللعب على مشاعر جماهيره من جهة، ومغازلة ترامب من جهة أخرى، وفي سرية تامة.

غير أن سلوك الرئيس الأمريكي لم يعد يعطي للنظام حيزاً أوسع للمناورة، ولا يعطيه متعة الاستمرار في اللعب المزدوج مع جمهوره، من جهة، ومع ترامب من جهة أخرى، حيث يطيب للنظام أن يتحدث أمام الكاميرا بمكابرة مصطنعة، فيما هو يمرر رسائله، تحت الطاولة، وعبر الدول التي طالما ردد أنها دول عميلة لقوى الاستكبار، مستجدياً عدم ضربه على يد “الشيطان الأكبر”.

والخلاصة، يبدو أن هذا النظام “الدوغمائي” لن يغير سلوكه تجاه شعبه، ولن يغير هذا السلوك تجاه جيرانه من العرب والمسلمين، لأن توجهاته الشمولية الديكتاتورية تحكم سلوكه إزاء شعبه، وتوجهاته الدينية الطائفية تحكم سلوكه تجاه الجيران، وهذه التوجهات – عند النظام – هي عقيدة دينية يكفر من لم يؤمن بها، وهنا تكمن إشكالية نظام حول السلطة والولاية والإمامة من أطرها السياسية المرنة إلى ضوابطها الدينية الصارمة.


القدس العربي