(حين يصحو الشعب) لا تعود الإمامة الدميمة ثانية

بينما كنت أطالع ديوان الرائي والمبصر الإنسان الشاعر الكبير عبد الله البردوني، استوقفتني بشدة قصيدته الخالدة "حين يصحو الشعب". لقد وجدتها تحمل رسائل ثورية عميقة وقراءة مجتمعية وسياسية سابقة لعصرها، مما جعلني أتساءل بحسرة: كيف لم نجعل هذه القصيدة ومضامينها جزءاً أصيلاً من منهاجنا الفكري والسياسي؟ وفي تلك اللحظة، أدركت بوضوح تام لماذا عادت الإمامة اليوم بوجهها الدميم، بعد أن بدّلت ثوبها من "حميد الدين" إلى "بدر الدين"، فالمسميات تغيرت، لكن الروح المتعفنة ونهج الاستعباد هو ذاته.


إن هذه القصيدة تتجاوز كونها مجرد نص أدبي، لتقدم قراءة تاريخية يمنية دقيقة تربط حالة البلاد بسياق الإمامة الزيدية المتوكلية في أواخر عهدها، وتحديداً خلال مرحلة الإمام أحمد ما بين عامي 1948 و1962. لقد كُتب هذا النص في أواخر الخمسينيات، في "زمن ما قبل الانفجار"، حينما خرج الحكم الإمامي من محطتين داميتين: فشل حركة الدستور عام 1948 وما تلاها من انتقام وإغلاق لباب الإصلاح، ثم تمرد عام 1955 الذي رُد عليه بتطهير أعنف ومراقبة أوسع. كانت الدولة حينها مثقلة بالخوف، والمجتمع يزداد وعياً بفجوة الزمن في ظل تعليم محدود وصحافة محاصرة ومقارنات جارحة مع ما يجري في مصر وسوريا والعراق. لذلك، جاءت القصيدة كـ "إنذار مبكر" يصف النظام القائم والمجتمع الذي يمنحه شروط البقاء، أكثر من كونها مرثية.


وما يمنح هذه الأبيات قوتها الاستثنائية هو أنها لا تكتفي بإدانة الحاكم الفرد، وإنما تمضي أبعد من ذلك لتغوص في جذور المنظومة التي تصنعه، تلك الشرعية المذهبية والاجتماعية السُلالية التي تُنتج يومياً عبر الطاعة، والهيبة، والوساطة، والخوف. وهنا تبرز عبارة صادمة تقول: «أعذر الظلم وحمّلنا الملاما»، لتضع المسؤولية على عاتق المجتمع الذي صنع الطاغية سياسياً وأخلاقياً ثم صار يشكو منه. تتجلى هذه الصناعة المجتمعية للطغيان في النظرة للإمام/الحاكم كـ "الطفل الذي أرضعناه" و"دللناه" و"حملناه إلى العرش"، في إشارة واضحة لدورة الحكم المتوكلية القائمة على تقديس المنصب حيث يصبح الاعتراض على الحاكم اعتراضاً على الدين، وعلى شبكات الولاء والمشايخ، وتطبيع ثقافة الخوف والتكيف مع الإذلال.


لم تكن الدولة الإمامية تمتلك اقتصاداً حديثاً أو مؤسسات رفاه، فقد كانت تعتمد في بقائها على الجباية التقليدية وتحويل المجتمع إلى مورد خام للاستنزاف، وهو ما تلخصه بجلاء عبارة: «وبنينا بدمانا عرشه.. فانثنى يهدمنا حين تسامى». هذا البناء القائم على القمع لم ينتج تنمية، وإنما أسفر عن تأسيس جهاز قمع، لتكتمل الصورة بمرارة موجعة: (غرسنا عمره في دمنا.. فجنيناه سجوناً)، كحصاد لمرحلة توسع فيها التنكيل والإرهاب وإحصاء الأنفاس وتشريد الأحرار وتحويل الشعب إلى رهائن، وتستثمر في الترهيب والتخويف والابتزاز لا في العمران والبناء والتنمية.


وفي سياق تفكيك منطق "الرعية والراعي"، يتم دحض التفسير القائل بأن الظلم مجرد "طبيعة للإمام" أو فساد لحاشيته، لتُعكس المعادلة تماماً بالتساؤل: (كيف يرعى الغنمَ الذئبُ؟)، تأكيداً على أن احتكار السلطة والقوة سيؤدي حتماً إلى الافتراس إذا لم يُواجه برادع سياسي أو قانوني. فالظالم يعفّ (لو لم تقلده ضحاياه الحساما)، فالضحايا هم من يمنحون الجلاد أدواته وشرعيته حين يقبلون الطاعة كقدر حتمي، ويبيعون احتجاجهم بالأمان الشخصي.


ولعل من أقوى أعمدة هذه الإمامة الزيدية كان التقديس الشعبي، الذي يتجسد في هتاف: (وننادي: يحفظ الله الإماما)، والذي تحول إلى شعار ولاء يلغي السياسة والحقوق ويغلق باب المحاسبة باسم الدين. إزاء ذلك تنطلق صرخة مدوية: (آه منا.. ما أجهلنا؟ بعضنا يعمى وبعض يتعامى)، لتضع جهل البسطاء وتعامي المستفيدين في قلب استمرارية هذا النظام. هذا النظام الذي وُصف سخريةً بـ "دولة الأجواخ"، في إشارة لدولة القصر والبطانة وأهل الامتيازات التي (تأكل الشعب.. وهو يسقيها ويظمى حولها)، في تصوير دقيق لواقع ريفي وقبلي واسع ينتج ويدفع ويصمت، ليعود إلى قراه وقبيلته دون خدمات أو حماية قانونية.


من هذا التشخيص العميق، ينتقل النص إلى التحريض على الفعل السياسي الواضح: "أنت بانيها فجرّب هدمها"، معبراً عن جوهر المزاج الذي سبق عام 1962، والذي أدرك أن المشكلة في "البنية" لا في "الشخص". وقد تجلى بوضوح أن قوة الإمام المزعومة لم تكن سوى انعكاس لضعف المجتمع وتراجعه خطوة بعد خطوة، وذلك في القول: (ضعفنا صوّرها موتاً). ليأتي الختام بوعد جمهوري مبكر ينتظر "فجراً نائماً" لا يتحقق إلا "حين يصحو الشعب"، منتقلاً باليمن من الخوف إلى السياسة ومن "البركة" إلى القانون. غير أن هذا الفجر الذي بزغ في 26 سبتمبر 1962 لم يأتِ كصباح صافٍ، بقدر ما كان انكساراً لحاجز الخوف لتدخل البلاد في حرب أهلية طويلة ومخاض عسير لبناء دولة المؤسسات. لقد أثبتت الأيام أن إسقاط رأس النظام لا يكفي، وأن الدولة التي لا يحميها قانون ولا تبنيها مؤسسات، ستعود حتماً لإنتاج جلاد جديد باسم جديد، وأن المعركة الحقيقية والمستمرة هي معركة الوعي، والتعليم، ومقاومة الفساد والاستبداد معا، لضمان ألا يعود الذئب متنكراً في ثياب الراعي.


حين يصحو الشعب


أعذر الظلم وحملنا الملاما.. نحن أرضعناه في المهد احتراما


نحن دللناه طفلاً في الصبا.. وحملنا إلى العرش غلاما


وبنينا بدمانا عرشه.. فانثنى يهدمنا حين تسامى


وغرسنا عمره في دمنا.. فجنيناه سجوناً وحماما


لا تلم قادتنا إن ظلموا.. ولم الشعب الذي أعطى الزمام


كيف يرعى الغنم الذئب الذي.. ينهش اللحم ويمتص العظاما؟


قد يخاف الذئب لو لم يلق من.. نابه كل قطيعٍ يتحامى


ويعف الظالم الجلاد لو.. لم تقلده ضحاياه الحساما


لا تلم دولتنا إن أشبعت.. شره المخمور من جوع اليتامى


نحن نسقيها دمانا خمرةً.. ونغنيها فتزداد أواما


ونهني مستبداً، زاده.. جثث القتلى وأكباد الأيامى


كيف تصحو دولة خمرتها.. من دماء الشعب والشعب الندامى؟


آه منا آه! ما أجهلنا؟!.. بعضنا يعمى وبعض يتعامى


نأكل الجوع ونستقي الظما.. وننادي “يحفط الله الإماما”


سل ضحايا الظلم تخبر أننا.. وطنٌ هدهده الجهل فناما


دولة "الأجواخ" لا تحنو ولا.. تعرف العدل ولا ترعى الذماما


تأكل الشعب ولا يسري إلى.. مقلتيها طيفه العاني لماما


وهو يسقيها ويظمى حولها.. ويغذيها ولم يملك طعاما


تشرب الدمع فيظميها فهل.. ترتوي؟ كلا: ولم تشبع أثاما


عقلها حول يديها فاتحٌ.. فمه يلتقم الشعب التقاما


يا زفير الشعب: حرق دولةً.. تحتسي من جرحك القاني مداما


لا تقل: قد سئمت إجرامها.. من رأى الحيات قد صارت حماما؟


أنت بانيها فجرب هدمها.. هدم ما شيدته أدنى مراما


لا تقل فيها قوى الموت وقل:.. ضعفنا صورها موتاً زؤاما


سوف تدري دولة الظلم غداً.. حين يصحو الشعب من أقوى انتقاما؟


سوف تدري لمن النصر إذا.. أيقظ البعث العفاريت النياما


إن خلف الليل فجراً نائماً.. وغداً يصحو فيجتاح الظلاما


وغداً تخضر أراضي، وترى.. في مكان الشوك ورداً وخزامى


*المصدر أونلاين