عملية استباقية لا داعي لها

ترتيب مسرح العمليات، تشبه هندسة عنتر للمسجل الجديد!

عاد عبده فرحان من المدينة، كان يحمل "مسجل جديد" وأغراض أخرى في كيس نايلون غير شفاف.

كان ولده، صاحبي عنتر، يعيش مرحلة انتقالية تخللت مرحلة الشيوعية التي اعتنقها في التبهة، ومرحلة حياته الشخصية التي بدأ يكتشفها من أشرطة أغاني السميرتين: سميرة سعيد، وسميرة توفيق.

في اليوم التالي للمسجل الجديد، فر عنتر من البيت، وهذا ما جعل الآخرين يبحثون عن أسباب الخلاف بين الأب وابنه البكر، اكتشف الفضوليون أن المشكلة نشبت في اليوم الأول الذي وصل فيه المسجل. 

كان والد عنتر، قد اشترى ـ إلى جوار المسجل ـ ثلاثة أشرطة كاسيت للفنان الذي يحبه، أبو نصار. واشترى أيضاً ـ جوار الوزف والبسباس وميزان الماءـ لصقة شطرطون من النوع الأصلي.

وبحسب التفاصيل التي تناقلها الفضوليون، فإن عبده فرحان وبعد أن تناول الغداء ـ وكانت عصيد ذرة شامي مع صينتين من الوزف والبسباس ـ تفرغ لإجراء عملية معقدة للحفاظ على المسجل: فتح لمخارج الصوت فتحات صغيرة من القرطاس الملفوف على غلافها البلاستيكي السميك، وقطع باحترافية فواصل من القرطاس عند أزرار المسجل، وابتكر أشبه بستارة لمكان الشريط، الأمر نفسه عند غطاء البطاريات، بعد ذلك لف لصقة الشطرطون على القرطاس الملفوف على المسجل نفسه.

كان عنتر مسكوناً بهاجس الخراب، هذا ما جعله يخطط لعملية اكتشاف استباقية لتركيبة المسجل من الداخل ودراسة أسلاك المكثف، آليات عمل السماعة، وارتباطات المحول، فعل عنتر ذلك ليتسن له إصلاح المسجل عندما يخرب. كان يهدف إلى إطالة عمر المتعة التي سيتقاسمها مع والده عند الفراغ: لعنتر السميرتين، سميرة سعيد وسميرة توفيق، ولعبده فرحان أبو نصار والمعطري أحياناً.

وفق ما سمعه الفضوليون من أصدقاء عنتر، فإن عنتر أخذ المسجل الجديد غفلة من والده، وأخذ السكين وفك المفاتيح. وبمجرد أن فك الغلاف الخارجي انفصل أحد أسلاك السماعة، حاول إصلاحه فانقطع السلك الثاني. وهو يحاول أن يكتشف الأماكن التي "امتتخ منها السلك، سمع عنتر صوت خطى في الخارج فسارع لتطبيق غلاف المسجل ظاناً أن والده قادماً، فانقطعت أسلاك أخرى.

تأخر والده عن الدخول. واسترد عنتر أنفاسه وتبين أن الخطى التي سمعها ليس سوى خطوات حمار مر من جوار المنزل. وإثر ذلك المهندس عنتر همته وشبك الأسلاك في غير مكانها، وقام بتجربة سريعة لتشغيل المسجل، ولكنه لم يشتغل. قلبه يميناً يساراً ثم انتبه أخيراً أنه خال من البطاريات. وهنا أخذ نفسا عميقاً ورأى البطارية الكبيرة الخاصة بالسيارات بالقرب من التلفزيون الأربع عشرة بوصة ذي الإطارين الخشبيين. أوصل عنتر المسجل بالبطارية، فتصاعد الدخان من داخله، احترق المكثف، والسماعة، والمحول وأشياء أخرى لا يعرفها عنتر.

أكمل عنتر فعلته بعد العشاء، أعاد تطبيق غلاف المسجل وحمله إلى النافذة خلسة من والده.. كان عبده فرحان قد صلى العشاء، وجهز بوري المداعة، وهيأ مزاجه لأمسية ماتعة مع شريط أبو نصار. يروى جلساء عبده فرحان، أنه ذهب لجلب المسجل، فرأى بنفس اللحظة ابنه عنتر يضع المسجل في النافذة. صاح عبده فرحان غاضباً، ظاناً أن عنتر سيأخذ المسجل ليستمع لشريط سميرة سعيد، لكن عنتر ترك المسجل وفرّ هارباً.


يمن شباب نت