الظالم المتظلم
توارث أبناء يحيى حسين الرسي مزاعم الاصطفاء التي ادعاها لهم، فيما عرف بنظرية البطنين التي لا يجوز، و لا يصح معها أن يكون الحكم إلا للمنحدرين من البطنين، و الاصطفاء الذي يدعونه يناقض صريح القرآن (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
يحيى الرسي الذي قدم إلى اليمن توسل بالنسب الذي تلفّع به ليجعل منه مطية للوصول إلى الحكم فصاغ نظرية البطنين التي تجعل منه مُقدّسا، وكذا سلالته، فيما تجعل كل الناس من غيرهم مجرد عبيد لايجوز لهم معارضة أي متسلط جاء من السلالة، ولا مخالفتهم في شيء، حيث أن الحكم لهم لا يخرج منهم أبدا؛ إذ لا حق، ولا صفة لليمنيين في قضية الحكم.
هذه النظرية الظالمة التي اختلقها ـ ابتداء ـ يحيى الرسي لم يسبقه أحد في ادعائها، وحصرها، ولو كان لها أدنى شبهة من هذا الادعاء؛ لكان لمن سبقه كلام، ولتحجج بها أولئك السابقون.
ولأنه ادعاء لا أصل له؛ فإنه لم يلتفت إليه أحد منذ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، ومن جاء بعده، حتى جاء الرسي بمزاعمه المفتراة، ســـــــنة 284هـ. والتي أحاطها بادعاء قداسة النطفة، وشرف الاصطفاء للسلالة، وأن الله قضى بأن الحكم حق خالص محصور فيهم إلى يوم الدين.
تلقف أبناء الرسي وأحفاده تلك المزاعم وفرضوها بقوة السلطة، وعبر إثارة الفتن بين القبائل، حيث تُلْجِئ الحاجة هذه القبيلة أو تلك للتقرب من الإمام المدعي لتستعين به على خصمها، وهذه الحاجة تدفع هذه القبيلة لإظهار القبول بما يدعيه، وتمضي في تملق الإمام وتبجيله وتقديسه، وإظهار المبالغة في ذلك؛ لتضمن وقوفه معها.
بهذه الفتن المصطنعة بين القبائل، والتباينات، والمنافسات، والتذلل، والتزل التي استغلها الرسي لتوطيد أمره، ترسخت نظرية البطنين، وزاد معها نفوذه.
هذه التباينات، والذلة دائما ما توفر أرضية مناسبة للمشاريع الصغيرة، من خلال ردود الأفعال الأنانية، وعلى حساب المبادئ، ولأهداف الكبيرة.
و لما كانت تحالفات الرسي مع القبائل لا تستقر على حال، و إنما يوظفها حيث تقتضيها مصلحته، فقد كانت كل قبيلة تتسابق عنده لإظهار التبجيل والتقديس،و القبول بمزاعمه، فنافقته في البداية حتى ترسخت ثقافة النفاق،و صارت مع الزمن ثقافة سلوكية مشينة؛ هيأت للرسي،و لذريته من بعده تلك المكانة التي سعى لها بكل سبل اللف و الدوران، ثم بالبطش و القمع و التنكيل.
جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 لتسقط تلك الهالة المصطنعة، والقداسة الزائفة، ولتحطم صنمية ادعاء الحق الإلهي. فانقمعت الفتنة وطوى (المتمسكون) بالقداسة دعاواهم بها تَقيّة، وظلوا يتربصون فرصة تسنح بفتنة قادمة تتهيئ لهم.
كثيرون تولوا النفخ في مزاعم السلالة المتميزة، والحق الإلهي، وتذرعوا بمظلومية تعرضت لها الســــلالة، وذلك لتحشد خلفها ما أمكن من المخـدوعين، والسذج.
إن ادعاء المظلومية ليست إلا ساترا كاذبا للتوصل بها لاسترجاع ما زعموه من الحق الإلهي في الحكم.
وإذا ما وقفنا لجردة حساب سريعة للظلم الفادح الذي كان يمارسه الأئمة، كلما سمحت لهم الظروف بين فترة وفترة للقفز على السلطة، فسنجد ان ما اقترفه يحيى حسين الرسي وحده من بطش وجبروت، وسفك دماء، وهدم منازل، وإحراق نخيل ومزارع، وهدم سدود، وطمر آبار، ناهيك عن إعدامات بالمئات وقطع الرؤوس وتعليقها بغرض الإرهاب، لكان شافيا كافيا في نوعها ومداها، وبشاعتها.
فكيف لو تتبعنا جرائم الإمام عبدالله بن حمزة... و يكفي أن نشير إلى إحدى جرائمه الشنيعة أنه أباد أكثر من مائة ألف من فرقة المطرفية، التي لم يستثن منها طفلا، و لا شيخا، و لا امرأة، بالرغم من أنها من فرق الزيدية.
وماذا عن المطهر بن يحيى شرف الدين، و جرائمه البالغة البشاعة بتفنن، و قسوة متناهية مثله مثل من سبقه أو جاء بعده، ذرية بعضها ـ في ظلمها و جبروتها ـ من بعض.
والمتوكل اسماعيل الذي أباح أموال الشافعية بالنهب و السلب في كتاب ألفه بعنوان: إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع.
ويأتي إمام أطغى فيفرض جبايات لا طاقة للناس بها، فيعترض عليه علماء متحررون، ينهونه، و يحذرونه بأن الله سيسأله عن هذ الظلم، فيرد بعنجهية قائلا: إن الله سيسألني عما أبقيت لهم، لا ما أخذته منهم.
والحق أن الثورة اليمنية فتحت الباب واسعا للفرقة المتعصبة التي تمسكن حاملوا رايتها حتى كان منها عضو في المجلس الجمهوري ووزراء، وحضور في كل مفاصل الدولة، وهو ما سهل للمتعصبين من التغلغل و العمل السري المنظم.
لا شك أن الثورة، و حكوماتها المتعاقبة تعاملت بتسامح مع أدعياء الحق الإلهي،و لم تتعسف تجاههم،و إنما تعاملت بعفو و تسامح، الأمر الذي أتاح للمتعصبين تبني مشروع مزاعم الاصطفاء من جديد تحت عنوان المظلومية.
إن كل منصف إذا ما وقف عند المظالم، فسيجد أن متعصبي تلك الفئة هم الظالمون، و أن الشعب اليمني كله هو الذي من حقه أن يطالب بمظلوميته التي ما رسها نظام حكم إمامي في فترات متقطعة من التاربخ بكل بطش،و ظلم و إجرام.
الصحوة نت