شهداء تعز.. جنود بلا رواتب

في واحدة من أكثر جبهات القتال اشتعالًا في اليمن، تواصل تعز تقديم تضحيات كبيرة في مواجهة مليشيا الحوثي، ثالث العيد استشهد الملازم حسن الخليدي إثر إصابة سابقة، ويحدث هذا مع استمرار أزمة رواتب الجنود، وصرف راتبين لمنتسبي الجيش اليمني في تعز لن يحل المشكلة المادية جذرياً. 

كلما سمعنا عن شهيد، تذكرنا للحظات، أن أبطال الجيش يقاتلون في الخطوط الأمامية بإمكانيات محدودة، ويواجهون في الوقت ذاته تحديات الحياة اليومية دون دعم كافٍ. هذا ما تكشفه الرسائل المتروكة هنا وهناك.

خلال فترة وجيزة، ارتقى عدد من الشهداء في تعز. جمعهم إيمانهم بالقضية وانتمائهم للجيش اليمني المنضوي تحت إدارة وزارة الدفاع، جمع هؤلاء أيضاً المبادئ الوطنية التي حتمت عليهم البقاء في الجبهات، ومواجهة الحوثيين.

في رمضان، انضم إلى سجل الشهداء كلاً من القائد محمد عبده صدام، أسامة يوسف العوني، نسيم عبادي، محمد عبد الغني المحيا، محمود المخلافي، كان قد سبقهم في الطريق ذاته وهيب البركاني، هشام الشرعبي، وموسى القيسي. وقبلهم أيضًا، شهد شهر شعبان ارتقاء عدد من المقاتلين، بينهم أحمد الصلوي، عواد الصوفي، وصادق العزاني.

هذه الأسماء، في الواقع، ليست سوى نماذج من واقع أكبر، يصور الهجمات الحوثية المستمرة على الجبهات في تعز، وحجم التضحيات التي يقدمها الجيش اليمني باعتباره الخط الأول للمواجهة مع الحوثيين، والأهمية العسكرية لتعز باعتبارها الجغرافيا الأكثر استنزافًا للعدو.

هذا الواقع، يضع الجنود أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة العدو في الجبهات، وتأمين احتياجات أسرهم، نظراً لمحدودية الدعم وغياب المعالجة الجادة لأوضاع المؤسسة العسكرية وحل أزمة رواتب الجيش اليمني، ومساواتهم بغيرهم ممن يتقاضون رواتبهم رغم عملهم خارج إطار مؤسسات الدولة.

ما من مقاتل في جبهات المحافظة، إلا واصبعه على الزناد، يحمل جعبته وإيمانه، وخلفه قصة عائلة، وتفاصيل من البطولة غير المروية، وتفاصيل من المعاناة التي لم يتذمر منها الأبطال طوال فترة المواجهة، تسرب بعض تلك التفاصيل تكشف عن عظمة هؤلاء كما تكشف عن هول الإهمال الذي يشترك فيه الجميع.

في المعارك الكبيرة، الصمت العاجز يقترب من الإهمال المتعمد. كل إجراء يستفيد من الخصم يدخل في دائرة السذاجة على الأقل، ويصل إلى درجة الخيانة إن ثبتت علاقات التخادم مع الأعداء.

من المعيب أن تمر تضحيات الأبطال دون التفاتة جادة لوضع المؤسسة التي ينتسبون لها. 

كل الذين استشهدوا في تعز، وهم يواجهون العدو، أبطالاً.

الخمسة الذين استشهدوا في أواخر رمضان بليلة واحدة، ومن استشهد قبلهم أو بعدهم، أبطالاً.

أعرف، محمد عبده صدام، القائد الذي قفز لمواجهة أعداء البلاد عندما تواطأ الأوغاد مع الحوثة وسلموهم رقبة البلاد.. سنة ٢٠١٥، عندما هجمت مليشيا الحوثي، مسنودة بكتائب من الألوية والفصائل المحسوبة على الزعيم، على جبل في البلاد اسمه جبل عدف، اندفع عدد من شباب المنطقة للتصدي لها. 

كان من بين أولئك الذين هبّوا محمد عبده صدام، رفع طرف معوزه إلى جوار بطنه، وبدأ بالصعود غاضباً وهو يقول: «ما يشتوا من بلادنا عيال (...)»، وتحت وابل القصف نزل أصحابنا من الجبل بعد اشتباكات عنيفة. كنا حزينين وكانت البلاد حزينة وكان المقاتلين أكثر حزناً. 

كان حزنهم الكبير لأن البنادق العادية والذخائر الصدئة التي في جعبهم لم تستطع مجاراة الدبابات ومدرعات الـBMP وراجمات الصواريخ والرشاشات والذخائر المنهوبة من مخازن معسكرات الدولة.

وكان محمد صدام يواسيهم بثقة: «المعركة ما انتهتش… سهل اشنجي لهم من مكان ثاني ما دمنا أحياء». تنقّل بين جبهات تعز لسنوات، بذات العزيمة، لم يتغير فيه سوى ملامح أنهكتها الحرب، بينما بقيت عزيمته كما هي.

وهو ليس استثناء حيث ترك "نسيم عبادي" محافظته واختار الجبهة موطنًا، فيما ظل محمد المحيا ومحمود المخلافي مرابطين في مواقعهم دون انقطاع غير مكترثين بالأوضاع المادية.

أما أسامة يوسف العوني، فكان امتدادًا لعائلة قدمت عددًا من الشهداء، ليواصل المسيرة ذاتها ليكون الشهيد ابن الشهيد، ابن عم لشهيدين، ابن عم لشهيد ثالث، وصديق لعشرات الشهداء..

بعض الجنود، يقاتلون بأسلحة مستعارة، كان الجندي الشاب وهيب البركاني يستعير بندقية من أصحابه للذهاب إلى الجبهة، لم يكن أحد يعرف أنه قد كتب وصيته، وكان يملك دراجة نارية، يعود حاملاً لعائلته بوجبة السحور، وكان شديد الإيمان بالقضية.

الأمر نفسه بالنسبة لبقية الأبطال. هشام الشرعبي كان تاجر قطع غيار، وعندما هجمت مليشيا الحوثي، ترك تجارته وانخرط في المواجهة دون تململ، أو تذمر. ستجد في تعز، جنديًا لديه طفل بلا حليب، يغالطه بشاي أحمر داخل الرضاعة.

وستجد قيادياً ميدانياً، لديه 7 أطفال، يعيش معهم بلا إضاءة. عند استشهاده، تبين أن أسرة القائد الشهيد تملك مصباحاً يدوياً، تضعه على رأسها، والأسرة كلها بلا فرش أو بطانيات. هذا ما ظهر بعد 11 سنة.

رغم أن الشهيد من المقتدرين، ولكنه ترك أملاكه في المناطق التي ينتشر فيها الحوثة، وانتقل للعيش مقاتلاً للكهنوت، مقاتلاً بعزة نفس، رافضاً أن تجرح هذه الجرثومة شخصيته اليمنية العربية، ورافضاً أيضاً أن تنال المعاناة المادية من عزة نفسه.

لم يطالب هؤلاء بأكثر من مستحقاتهم، عندما يرحلون نصادف رسائلهم الموجعة وهم يسألون الأرفع منهم عن موعد استلام الرواتب أو يبحثون عن بصيص أمل يحمله سؤال: ما فيش خبر عن الراتب؟ كما كتب موسى القيسي قبل استشهاده.

من الجيد أن يتفاعل وزير الدفاع مع حالة شهيد، ويتواصل مع الأسرة ليواسيها مادياً ومعنوياً بعد الشهادة، ومن الجيد أن يتفاعل قائد المحور، أو أي مسؤول آخر، أو حتى المبادرات المجتمعية التي تتشكل للتفاعل مع حالة شهيد.

هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تمثل حلًا مستدامًا لجميع منتسبي وزارة الدفاع، خاصة أن الرعاية الجزئية تهب للحالات النادرة التي تلقى رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي.


يمن شباب نت