تطورات اليمن تعزز الثقة بدور سعودي يساهم مواجهة مشاريع التفكيك

خلال فترة وجيزة تغيرت بشكل كبير ملامح المشهد اليمني وازداد تأثير بصمة المملكة العربية السعودية في رسم هذه الملامح، التي يبدو أنها تقترب شيئا فشئيا من تحقيق أهداف استعادة الدولة اليمنية لكنها لا تزال تُبقي على القضية الجنوبية سيفا مرفوعا في مواجهة طموح اليمنيين لبناء دولة موحدة ومستقرة ومحصنة من النزعات الانفصالية.

الخطوات السعودية نحو تحطيم المشروع الانفصالي المهندس من قبل الإمارات تتميز بالحسم على المستويين العسكري والسياسي، إذ بات جنوب اليمن تقريبا تحت النفوذ العسكري للسلطة الشرعية بما في ذلك العاصمة السياسية المؤقتة عدن، وتهاوت الأدوات العسكرية التي بنتها الإمارات لتعزيز سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي وضمان تفرده في إدارة المشهد واحتكار القضية الجنوبية.

فقد تم الجمعة الماضية حل المجلس الانتقالي بقرار من قبل الكتلة القيادية الأكبر المتواجدة في الرياض للمشاركة في المشاورات الجنوبية المقبلة، التي من الواضح أن المملكة ترمي من ورائها إلى إعادة تكييف القضية الجنوبية ووضعها كموضوع رئيس في محادثات التسوية النهائية، وهو توجه سبق وأن ضمنه اتفاق الرياض الموقع بين السلطة الشرعية والمجلس الانتقالي في الخامس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2019.

خطوة حل المجلس الانتقالي أنتجت مجلسا منقسما، بعد نشر تصريحات من قبل المتحدث باسم المجلس الانتقالي أنور التميمي المتواجد في أبو ظبي، وبحسب ما عبرت عنه تغريدات نائب رئيس المجلس الانتقالي السلفي السابق هاني بن بريك المتواجد منذ سنوات في أبو ظبي كمواطن إماراتي أيضا.

القسم الموالي لأبو ظبي دعا إلى مظاهرات أمس السبت في كل من عدن والمكلا، لإظهار مدى الولاء الذي لا يزال يتمتع به، وتحدث عن مليونيات، لكن تجمعات الموالين للمجلس الانتقالي في ساحة العروض الرئيسة في عدن أظهرت تراجعا فوريا لنفوذه وشعبيته، واقتصرت على المئات من منتسبي التشكيلات العسكرية السابقة الموالية للانتقالي ومعظمهم من الضالع (مسقط رأس عيدروس الزبيدي) الذين لبسوا الزي المدني وتجمعوا في الساحة. وحتى هؤلاء المئات الذين تجمعوا ربما استفادوا من المرونة التي يتمتع بها الجنود المعنيون بفرض الأمن في عدن، والذين كانوا حتى الأمس القريب جزء من الأجندة الانفصالية.

تمضي الاستراتيجية السعودية قدما في تحطيم الهياكل السياسية والعسكرية التي أقامتها الإمارات ووضعتها تحت تصرف مشروعين أساسيين لا ثالث لهما، وهما مشروع الانفصال في الجنوب ومشروع استعادة نظام صالح في الشمال، لتحقيق ما كانت تطمح إليه أبو ظبي وهو ترسيخ النفوذ الإماراتي على الجغرافيا اليمنية بشكل كامل، وتطويق السعودية بكيانين منفتحة على تعاون لا حدود له من العدو الصهيوني.

لا تفتقد السعودية، إذا، للتدابير ولا لردود الفعل المضادة الأكثر فتكا بالطموحات الإماراتية الخبيثة والمدمرة. وليس أدل على ذلك من التحول الهائل الذي أحدثته السعودية عندما قررت تغيير معادلة النفوذ في جنوب اليمن، مما دفع بالإمارات بعيدا عن المشهد اليمني، لتتحول إلى طرف موتور يحتاج إلى إمكانيات هائلة وقدرات خارقة لا يبدو أنها متاحة، لكي يعوض ما فقده في اليمن.

كانت لإمارات قبل التطورات الخطيرة والجذرية، تتصرف في اليمن بحرية تامة وتفرض أولوياتها السياسية والأيديولوجية عليه، وتُحدث قدرا هائلا من الانقسامات في صميم المجتمع اليمني المتجانس إلى حد كبير، وتبني تحالفات إقليمية ودولية تأسيسا على الرأسمال الجيوسياسي الذي توفره الخارطة اليمنية المستباحة ببرها وبحرها وجُزرها وموانئها ومضيقها مضيق باب المندب.

تبدو منطقتنا اليوم أشد حماسا لدور حاسم للمملكة العربية السعودية، يليق بمكانتها المركزية في العالمين العربي والإسلامي. ويتوفر إجماع واضح من قبل شعوب والأنظمة والمكونات العربية، بمن فيها تلك التي تبنت خطا غاضبا من سياسات السعودية تجاه الربيع العربي قبل عشر سنوات، من أجل أن تلعب الرياض دورا قياديا في مواجهة مشاريع التفكيك التي تستهدف دولها بتأثير التماهي الإماراتي مع الأجندة الصهيونية.

وهذا التحول في المزاج العربي، يعود في جزءٍ كبيرٍ منه إلى التمايز الذي ظهر بين السياسيتين السعودية والإماراتية، بعد أن طورت الإمارات أدوارها السيئة لتصبح أكثر فتكا ووضوحا في أهدافها المتماهية مع الأهداف الصهيونية، وعلى رأسها تفكيك المنطقة وإخضاعها وسوقها مذعنة للتحالف الإبراهيمي، الذي يعتمد مقاربات خطيرة جدا من أبرز مظاهرها دعم النزعات الانفصالية وتحطيم الدول المركزية، وتكريس الهيمنة المطلقة لإسرائيل في المنطقة.

عربي 21