دراسة بحثية: علاقة القبائل بالحوثيين على حافة الانهيار

في خضم الحرب المستمرة ضد إيران وضعف محورها، يواجه الحوثيين في اليمن تهديدات داخلية متزايدة في قدرتهم على السيطرة على السلطة، وتُعدّ التحالفات القبلية أساسية للسلطة السياسية في اليمن.


ووفق دراسة بحثية أمريكية، أدرك الحوثيين أهمية دور القبيلة مبكراً وبناءً على ذلك عملوا على التركيز على القبائل من خلال الاندماج أو المصاهرة الاستراتيجية والوساطة أو الاستمالة الاستخباراتية حتى قبل سيطرتهم على صنعاء في 21سبتمبر 2014.


وبعد استيلائهم على السلطة وسيطرتهم على أجهزة المخابرات اليمنية وهياكل إدارة القبائل الحكومية، حصلوا على كميات هائلة من البيانات حول الشبكات القبلية، والتي وظّفوها لاحقًا لتعزيز سيطرتهم واستيعاب القبائل.


إلا أن هذ العلاقة بين الحوثيين والقبائل كانت دائمًا قائمة على المصالح المتبادلة، وهي اليوم تتعرض لضغوط بسبب الاقتصاد المتدهور، وتراجع تأثير الجماعة التي كان يمنحها زخماً، وتغيرات في الأجيال وزعامة القبائل. وفق الدراسة البحثية.


ورأت الورقة البحثية "أن الجيل الأكبر من قيادة الحوثيين الذي راكم ثروة خلال السنوات الماضية، أصبح يميل إلى حماية نفسه ومصالحه الخاصة أكثر من التمسك بروح الجماعة التي كانت في السابق محور قوة".


وفي مواجهة ذلك، يلجأ الحوثيون إلى أساليب صارمة لإحكام السيطرة ومع ذلك، ما زالوا يشكلون قوة يصعب مواجهتها "فهم متكيّفون مع الظروف، متمرّسون في القتال، ويملكون قدرة كبيرة على التصعيد عند الحاجة".


واستعرض الدراسة البحثية المعمقة لمركز مكافحة الإرهاب بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية «CTC» علاقة الحوثيين بالقبائل اليمنية والضغوط التي تهددها وهل تستطيع الصمود مع المتغيرات في المنطقة.


الحرب على إيران: تهديد وجودي للحوثيين


تُشكّل الحرب الأمريكية والإسرائيلية المستمرة على إيران تهديدًا وجوديًا لمحور المقاومة المدعوم من إيران، ويُعدّ الحوثيون في اليمن القوة الأكبر والأكثر تسليحًا ضمن هذا المحور، فيما تُهدّد هشاشة النظام الإيراني البنية الداخلية للحوثيين، وذلك بحسب الدراسة.


حيث لم يقتصر الدعم الإيراني للحوثيين على الأسلحة فحسب، بل شمل شحنات النفط، والأموال المُحوّلة عبر وسطاء مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، والسلع المُرسلة عبر شركات وهمية، والمساعدة التقنية. 


وساهمت هذه الموارد مجتمعةً في دعم الجناح العسكري للحوثيين وشبكات المحسوبية التي تُبقي نخبة القبلية مُطيعة -وفق الدراسة- وإدراكًا لمخاطر الاعتماد على إيران، عمل الحوثيين خلال السنوات الأربع الماضية في تنويع مصادر الدخل الحيوية لتقليل اعتمادهم على إيران. 


ومع ذلك، فإنّ فقدان الدعم الإيراني، سواءً بشكل شبه كامل أو كلي، وخاصةً لبرنامجهم الصاروخي، سيُفاقم الضغوط الداخلية المُتزايدة أصلًا، وبدخول الحوثيين إلى الحرب "يتعين عليهم الموازنة بين قدرة قاعدتهم على الصمود أمام التصعيد وتراجع الدعم الإيراني".


وتطرح الدراسة الأمريكية، سؤال محوري عن قدرة النسيج القبلي الذي بناه الحوثيين على مدى ثلاثة عقود في اليمن، على الصمود أمام الضغوط الحالية التي تهددها إذ يُمكن أن يُسرّع ضعف النظام الإيراني وفقدان الدعم وانهياره.


وتستعرض الدراسة، كيف بنى الحوثيين علاقتهم مع القبائل، وتقييم أسباب بقاء سيطرة الحوثيين، وتحلل خمسة عوامل ضغط رئيسية تُهدد هذه العلاقة وهي: الضغوط الاقتصادية، تراجع خطاب الحوثيين السياسي، تغيرات الأجيال، والقيود الأيديولوجية، وتغييرات القيادة.


بناء التحالف القبلي


بدأ انخراط الحوثيين في النظام القبلي اليمني قبل فترة طويلة من استيلائهم على السلطة. فقد بنى بدر الدين الحوثي، والد مؤسس الجماعة حسين الحوثي، والزعيم الحالي عبد الملك، شبكة اجتماعية واسعة حول حركة إحياء المذهب الزيدي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وكان الزواج المختلط الاستراتيجي محورياً في هذا المسعى.


حكم السادة، الذين يدّعون النسب إلى آل بيت شمال اليمن كأئمة حتى قيام الثورة الجمهورية عام 1962، وكان يتزوجون غالباً من نساء من عائلات قبلية ومشيخية، واستغلت عائلة الحوثيين هذا التقليد لبناء تحالفات متينة، حيث تزوج أبناء بدر الدين من عائلات قبلية بارزة، وقضوا معظم طفولتهم مع أخوالهم، ونشأوا كأفراد بحكم الأمر الواقع من قبائل أمهاتهم.


تجاوزت هذه الروابط السياسة وعزز بدر الدين هذه العلاقات بصفته سيدًا تقليديًا بارزًا، توسط في النزاعات القبلية، وفصل في المنازعات العائلية، ودرّس الشباب في حلقات دراسية دينية، وأصبحت هذه الحلقات فيما بعد حركة الشباب المؤمن، التي شكلت نواة الحوثيين.


بحلول عام 2004، عندما بدأت حروب صعدة الست، كان لدى الحوثيين بنية تحتية راسخة من التحالفات القبلية المتجذرة في القرابة والثقافة العائلية المشتركة عمّقت كل حرب هذه الروابط، حيث قاتلت القبائل إلى جانب الحوثيين ضد القوات الحكومية اليمنية، كانت القبائل تقاتل للدفاع عن مناطقهم.


وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014 استغلّوا تحالفهم مع صالح للوصول إلى شبكات نفوذه بين القبائل بشكل منهجي، فعيّنوا شيوخاً جدداً دون توافق، وفرضوا شخصيات مطيعة بالقوة، ومنحوا امتيازات اقتصادية للمتعاونين معهم، ومن رفضوا الامتثال خضعوا لسيطرتهم وفرضوا مشرفين هاشميين على الهياكل القبلية والدولة.


لكن المكسب الأهم مؤسسيًا سيطرة الحوثيون على أجهزة الاستخبارات (الأمن السياسي، والأمن القومي)، وحصلوا على ملفات ومعلومات حول الشبكات القبلية، والتسلسلات الهرمية، والتحالفات، ونقاط الضعف الشخصية، والتي جُمعت خلال عقود حكم صالح، بالإضافة إلى استقطاب الضباط الذين كانوا يديرون هذه الملفات ولديهم معرفة معمقة بالقبائل ونزاعاتها.


وسجلت ملفات الشؤون القبلية علاقة كل شيخ بحكومة صالح: المدفوعات، والنزاعات، وأبنائهم الذين شغلوا مناصب حكومية، وأصبحت هذه المعلومات، إلى جانب ضباط الاستخبارات أنفسهم، موارد أساسية لجهود الحوثيين في استمالة القبائل.


ثم قام الحوثيون بربط زعماء القبائل الموالين لهم بشبكاتهم المالية والتجارية، وأصبحوا يحصلون على عائدات التهريب، ورواتب حكومية، وتراخيص استيراد الوقود وغيره، ومناصب في سلطة الحوثيين، وسلطة فرض الضرائب.


ونتيجة لذلك، جعلت هذه الترتيبات زعماء القبائل متورطين مالياً مع الحوثيين، مما جعل الانشقاق مكلفاً، وكانت النتيجة نظاماً قبلياً قائماً على المصالح المتبادلة، ولم يتبنَّ معظم النخب القبلية فكر الحوثيين، بل تم شراؤهم أو إكراههم، وسُجن أو قُتل العديد ممن رفضوا.


لماذا تنهار العلاقة؟


تواجهه العلاقة أو التوافق بين القبائل والحوثيين ضغوطًا متزايدة وتستعرض الدراسة خمسة عوامل بالتفصيل كالتالي:-


القدرة الاقتصادية

أولها اقتصادي، حيث تعطلت بعض مصادر الإيرادات التي تمول شبكات المحسوبية التابعة للحوثيين، وأدى تضرر الموانئ إلى تقليص قدرة الحوثيين على تحصيل الرسوم الجمركية على النفط والمنتجات المستوردة.


إلى جانب عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على استيراد النفط والمنتجات إلى الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون، كان لها تأثيرًا كبيرًا على موارد الحوثيين المالية، إذ كانت الرسوم الجمركية على الواردات تمثل ما يصل إلى 50% من دخل الحوثيين، وتشير التقديرات إلى انخفاض أحجام الشحنات إلى النصف.


وبدأت جهود خفر السواحل اليمني في الحد من بعض عمليات التهريب التي استفاد منها الحوثيون، وتقليل الأسلحة والمعدات التي تُزودهم بها إيران، ويحاول الحوثيون التعويض عن ذلك بتنويع شبكاتهم المالية وشبكات التوريد.


في حين أن تدفق المنتجات ذات المصادر والتمويل الإيراني قد انخفض بالفعل لتشديد الرقابة نتيجة للعقوبات، إلى جانب أن الحرب مع إيران والإغلاق الجزئي لمضيق هرمز سيحدان بشكل أكبر من مصادر دخل الحوثيين في وقت يعاني فيه الاقتصاد اليمني برمته من ضغوط شديدة. 


وقد أفاد البنك الدولي في عام 2025 أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تشهد انكماشًا اقتصاديًا وتحولًا نحو المعاملات غير الرسمية القائمة على المقايضة، ويؤدي هذا النمو في اقتصاد المقايضة إلى تقويض قدرة الحوثيين على تحصيل وفرض مجموعة من الضرائب والرسوم على المعاملات.


ومع انخفاض واردات المشتقات النفطية، أصبحت الضرائب والرسوم مصادر تمويل أكثر أهمية للحوثيين، هذه القيود ستجعلهم إلى اللجوء إلى أساليب تحصيل أكثر قسوة، تشمل زيادة مصادرة الممتلكات وفرض رسوم متزايدة باستمرار على الشركات والأسر الثرية. 


وتؤدي هذه الإجراءات إلى مزيد من خنق الاستثمار الخاص الذي كان من الممكن أن يعوض انخفاض الإيرادات، والنتيجة حلقة مفرغة: فالانكماش الاقتصادي يدفع إلى الاستغلال الجائر، الذي بدوره يغذي المقايضة وهروب رؤوس الأموال، مما يزيد من حدة الانكماش.


وستزيد الأزمة المالية الحادة التي يعاني منها الحوثيون من الضغط على شبكات المحسوبية الواسعة والحيوية التابعة لهم. وقد يصبح زعماء القبائل، سواء كانوا مفروضين أو غير ذلك، والذين تم استمالتهم بتنازلات اقتصادية، عبئًا ماليًا يطالب بسداد لا يستطيع الحوثيون تحمله.


إنهيار دعاية الحوثيين

تتمثل نقطة الضغط الثانية في عدم جدوى الخطاب الحوثي، فقد حققت حملة البحر الأحمر والضربات ضد إسرائيل قيمة دعائية كبيرة للحوثيين منذ أواخر عام 2023، وقدموا أنفسهم كمدافعين عن الفلسطينيين.


وقد غطت هذه السردية على الفشل الاقتصادي، وبررت التقشف في زمن الحرب، واستقطبت دعمًا من القبائل والشخصيات السياسية التي كانت تعارض الحوثيين سابقًا، لكن وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025 أفقد هذه السردية قوتها، ولم يتبق أمام الحوثيين الآن سوى الحكم المحلي والازدهار الاقتصادي كمعيار لاختبار سلطتهم. وهم يفشلون في كليهما. 


وتمثل الحرب ضد إيران تعقيدًا إضافيًا، حيث يحاول الحوثيون التحول إلى خطاب التضامن مع إيران، لكن هذا يفتقر حتى الآن إلى قوة حشد القضية الفلسطينية، وينظر العديد من اليمنيين، بمن فيهم أفراد من القاعدة القبلية للحوثيين أنفسهم، إلى إيران بعين الريبة. 


لا يزال الغضب تجاه إسرائيل متفشياً في أوساط المجتمع اليمني، ولا يزال بإمكان الحوثيين استغلاله، إلا أن الضربات الإيرانية الانتقامية على السعودية والإمارات والبحرين والأردن وقطر في الحرب الحالية صعّبت على الجماعة تصوير طهران كحليف للشارع العربي والإسلامي.


تغيرات الأجيال

أما نقطة الضغط الثالثة فهي بتغيرات الأجيال ولها اتجاهان، فقد استثمر الحوثيون بكثافة في إعادة تشكيل المشهد الأيديولوجي والثقافي لشمال غرب اليمن، ويُعدّ تلقين الشباب أولوية قصوى طويلة الأمد، إلى جانب برامج الطائرات المسيّرة والصواريخ.


ويعود تاريخ معسكرات "الشباب المؤمن" التابعة للحوثيين إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما أنشأ حسين الحوثي وإخوته شبكة من الجمعيات والنوادي الرياضية والمخيمات الصيفية التي كانت تُدخل آلاف الفتيان سنويًا في برامج إحياء المذهب الزيدي.


ومنذ عام 2014، تسارع هذا المشروع ليصبح محاولة لإعادة تشكيل فهم اليمنيين لتاريخهم المشترك، بل وحتى معتقداتهم الدينية، فقد أُعيدت كتابة المناهج الدراسية، وتُفرض دورات أيديولوجية إلزامية وتدريب عسكري على زعماء القبائل والمعلمين والطلاب. 


كما تم قمع الرموز الجمهورية بما في ذلك ذكرى ثورة 26 سبتمبر بشكل منهجي واستبدالها باحتفالات ذات توجهات حوثية وزيدية شيعية، الهدف النهائي هو إنتاج جيل يضع الولاء للحوثيين فوق الانتماءات القبلية والوطنية.


يحقق الحوثيون بعض النجاح، إذ يُظهر العديد من المقاتلين الشباب في صفوفهم التزامًا بأيديولوجية الحركة، وهو التزام نادرًا ما كان يتحلى به آباؤهم الذين جُندوا عن طريق المحسوبية لا عن قناعة.


لكن هذا الجيل نفسه يتعرض لمجموعة من التأثيرات المضادة التي تُضعف، ولو جزئيًا، دعاية الحوثيين. فوسائل التواصل الاجتماعي، التي لا يستطيع الحوثيون حجبها بشكل دائم، تُتيح للشباب اليمني نافذةً على ازدهار دول مجلس التعاون الخليجي والدول الآسيوية، وهو ازدهار فشل الحوثيون فشلًا ذريعًا في تحقيقه.


وتكتسب أيديولوجية جمهورية مضادة، تُضخّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، زخمًا بين شباب المدن الذين يرون في ذكرى 26 سبتمبر/أيلول وسيلةً للتعبير عن معارضتهم للحكم الهاشمي.


أيديولوجية الجماعة 

النقطة الرابعة للضغط على الحوثيين هي النقطة الأيديولوجية. فلم يكن ادعاء الهاشميين بالسيادة مقبولاً لدى اليمنيين وقد رفضته الثورة الجمهورية عام ١٩٦٢، وفي المناطق ذات الأغلبية السنية الشافعية، مثل إب وتعز وأجزاء من تهامة، يُنظر إلى فرض المشرفين الهاشميين على أنه استعمار طائفي.


حتى داخل المجتمعات الزيدية، كانت العلاقة التاريخية بين القبائل والسادة قائمة على التبادل المتفاوض عليه، يسمح المذهب الزيدي بالخروج -أي التمرد على الحكم الجائر- وهو مبدأ قمعه الحوثيون لكنهم لم يمحوه (فيما يخص سلطتهم فقط).


ثروة قيادات الحوثيين

يكمن الضغط الخامس داخل جماعة الحوثي نفسها، فقد راكم الجيل الأكبر سناً، الذي خاض حروب صعدة، ثروات طائلة من خلال اقتصاد الحرب والفساد المستشري، وقد استغل مسؤولون تابعون للحوثيين ذرائع قانونية احتيالية للاستيلاء على أصول حكومية وخاصة تُقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات.


ويسعى هؤلاء القادة الحوثيين الآن لحماية ثرواتهم الشخصية، لم تعد روح الجماعة بين كبار القادة، التي كانت تميز الحوثيين كما كانت عليه في السابق، وبدلاً من ذلك باتت القيادة تركز بشكل متزايد على الحفاظ على أنفسهم، بدلاً من الاهتمام بإدارة استمرارية نظام الجماعة.


وتتسع الفجوة بين ما تحصل عليه النخبة الحوثية وما تعيد توزيعه على القاعدة القبلية، ويُعدّ نمط التفكك بين الحوثيين أبعاد جغرافية، ففي مناطق نهم وبني ظبيان وأرحب الحدودية شرق صنعاء، لا تزال الاضطرابات القبلية المتفرقة المناهضة للحوثيين قائمة رغم سنوات من العمليات الأمنية.


وفي الوقت نفسه، في المناطق الشمالية من سهول تهامة الساحلية، حيث كانت البنى القبلية والاجتماعية أقل رسوخًا، كان استيلاء الحوثيين على السلطة أكثر سلاسة. ومع ذلك، حتى هناك، فإن سعي الحوثيين وراء الاستغلال الاقتصادي دون توفير الخدمات أو الفرص الاقتصادية يُولّد استياءً بين مجتمعات السهول التي عانت من التهميش لعقود.


ولا تزال امانة العاصمة صنعاء المنطقة الأكثر سيطرة أمنية للحوثيين، إذ تُحكم قبضتها بدفاعات متداخلة متعددة الطبقات، ومراقبة شاملة، وجهاز استخباراتي عال الكفاءة، إلا أن أطراف المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت أكثر عرضة للاضطرابات.


تتجلى دلائل الاضطرابات المتصاعدة والردود القاسية من جانب قوات الأمن الحوثية في عدة محافظات، ففي الأول من يوليو/تموز 2025، قتلت قوات الحوثيين الشيخ صالح حنتوس، زعيم قبلي بارز في ريمة، ثم اعتقلوا وعذبوا 12 من أقاربه.


وفي 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025، اعتُقل ما لا يقل عن 200 رجل في ذمار بتهم ملفقة، زاعمين انتماءهم لحزب الإصلاح. وقد زادت هذه الاعتقالات من حدة المشاعر المعادية للحوثيين في المحافظة، وفي تعز، شنت ميليشيات الحوثي هجمات عقب انشقاق شيخ قبلي موالٍ لهم. 


وفي إب، حيث سجل مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة (ACLED) 40% من إجمالي أحداث الاقتتال الداخلي الذي يسيطر عليه الحوثيون خلال ثلاث سنوات (2022-2025) حيث تدخلت الحركة بشكل مباشر في النزاعات القبلية، مُؤججة الصراع بين القبائل لإضعاف الجماعات المقاومة.


وشن الحوثيين حملة قمع على احتفالات ذكرى الثورة اليمنية سبتمبر/أيلول 2025، واعتقلت أشخاصًا في صنعاء ومناطق أخرى، وبعد اغتيال إسرائيل حكومتهم (غير معترف بها) شنّ الحوثيون حملات تطهير داخلية بسبب خروقات أمنية. وطالبوا بتوقيع يمين ولاء جديدة على شخصيات قبلية، وبدأوا باحتجاز موظفي الأمم المتحدة بذريعة الاشتباه في تجسسهم.


الحوثيون ما يزالون يشكلون خطر


أي تقييم يعتبر تفكك التحالف القبلي للحوثيين مقدمة لانهيار حركتهم سيكون خطأً تحليليًا -وفق الدراسة- لقد صمد الحوثيون وتطوروا لأكثر من ثلاثة عقود. تجاوزوا ست حروب مع الحكومة اليمنية، وحملة التحالف بقيادة السعودية وحملات جوية أمريكية وإسرائيلية، ولا يزالون يسيطرون على معظم شمال غرب اليمن.


تُعزى مرونتهم جزئيًا إلى بنيتهم، إذ تعمل قيادة الحوثيين من خلال نظام محوري يتمتع فيه القادة المحليون بسلطة واسعة على العمليات العسكرية، وإدارة القبائل، وتخصيص الموارد. ولا تتضاءل هذه السلطة بمقتل كبار القادة، بل تزداد، إذ ينتقل صنع القرار إلى قادة ذوي معرفة عميقة بتضاريس المنطقة وديناميكيات القبائل. 


وقد أفرزت حروب صعدة جيلًا من هؤلاء القادة، واعتاد هؤلاء القادة العمل دون توجيه مركزي، وعلى الارتجال في الإمداد اللوجستي، واختيار الأهداف، واتخاذ قرارات ميدانية بناءً على سلطتهم الخاصة. 


وبينما قُتل العديد من القادة الذين قاتلوا في حروب صعدة أو أصبحوا الآن أعضاءً في نخبة الحوثيين، فإن روح المبادرة والقيادة من الصفوف الأمامية لا تزال راسخة بين جيل القادة الأصغر سنًا. 


ويُحاكي النظام المحوري للحوثيين ما يُسميه الاستراتيجيون الإيرانيون "الدفاع الفسيفسائي"، وهو نظام مُطبق حاليًا في إيران، وقد عززت الضربات الإسرائيلية على القيادة وعقد من القصف الجوي المتقطع هذه المنهجيات. 


وبالإضافةً إلى هياكل القيادة المركزية، أمضى الحوثيون سنوات في صقل قدرتهم على إخفاء المعدات الرئيسية ومرافق تجميع صواريخهم وطائراتهم المسيّرة، وتقع العديد من هذه المرافق في منشآت تحت الأرض محصنة منتشرة في معظم أنحاء شمال غرب اليمن الجبلي.


يحتفظ الحوثيون أيضاً بنفوذ تصعيدي كبير. فقد هاجموا أكثر من 130 سفينة في البحر الأحمر وخليج عدن، كما تمكنت صواريخهم وطائراتهم المسيّرة من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية في ست مناسبات على الأقل.


وإذا انهار الدعم الإيراني وتعرضوا لضربات قد يلجأ الحوثيون إلى سياسة الأرض المحروقة، وسيهاجمون منشآت البنية التحتية للطاقة في السعودية واليمن، وإذا تعرضت المنشآت اليمنية المتوقفة عن العمل للتدمير مثل محطة بلحاف للغاز الطبيعي المسال، من شأن ذلك أن يُعرقل أي انتعاش اقتصادي لليمن بعد الحرب.


وعزز الحوثيين علاقاتهم مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب، اللذين تحولا إلى شريكين لوجستيين يُسهّلان نقل مكونات الأسلحة وغيرها من المعدات عبر ممرات التهريب في القرن الأفريقي، وفي الوقت نفسه، تواصل الحركة تطوير سلاسل إمداد بديلة لبرنامجها الخاص بالطائرات المسيّرة. 


ويحرص الحوثيين على تجنب فقدان أي داعم رئيسي من خلال بناء علاقات متعددة عبر شبكات الدولة ودون الدولة والشبكات الإجرامية، والنتيجة هي تنظيم أصبح أكثر ضعفًا على الصعيد الداخلي وأكثر خطورة على الصعيد الخارجي من أي وقت مضى في تاريخه.


ركائز العلاقة مع القبائل 


يدرك الحوثيين أن القبائل هي أساس قوتهم، وقد بُنيت استراتيجيتهم الداخلية برمتها على هذا الفهم، إلا أن العلاقة بينهم نفعية وليست أيديولوجية، وتدفع الضغوط المالية المتزايدة إلى اتخاذ المزيد من إجراءات المصادرة وقمع أشد قسوة ضد أي شخص أو جماعة تعارض حكمهم. 


في الوقت نفسه، ينشأ جيلٌ مرجعيته القمع والمعاناة الاقتصادية، لا التضحية المشتركة في حروب صعدة أو الشعور بالنصر الذي رافق السيطرة على صنعاء، لذا القمع الأيديولوجي التي يحاول الحوثيين فرضه، بسيادة الهاشميين من خلال المشرفين يتجاوز العرف القبلي ويتناقض مع التفاهم مع أبناء القبائل والسادة في اليمن.


كما أن قيادة الحوثيين نفسها تشهد تغيرًا، فقد أصبح العديد من كبار القادة والزعماء أثرياء، وأكثر ولاءً للنظام وللحفاظ على مصالحهم، وأقل استعداداً على الأرجح لتحمل المخاطر أثناء تأسيس الجماعة والآن، بالإضافة إلى أن النظام الإيراني الداعم الرئيسي يواجه اختباراً حقيقياً.


بالنسبة لزعماء القبائل في شمال اليمن، تُنتج هذه الضغوط حسابات لم تكن موجودة منذ عقد من الزمان (منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء)، لطالما استندت قدرة الحوثيين على ضمان خضوع القبائل إلى ركيزتين: أموال ومحسوبية تضمن الرضا، والقدرات العسكرية التي تردع المقاومة وتعاقبها.


إذا ما تضررت أي من هاتين الركيزتين، تضعف العلاقة النفعية، وإذا ما ضعفت كلتاهما معًا، فقد يؤدي عدم الاستقرار إلى إعادة هيكلة حقيقية للسلطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.


ويراقب أفراد النخبة القبلية في المناطق النائية المؤشرات نفسها، ويتساءلون على الأرجح: هل ما زال بإمكان الحوثيين دفع الأموال؟ هل ما زال بإمكانهم العقاب؟ هل توجد بدائل قابلة للتطبيق لحكم الحوثيين؟ ولأول مرة منذ سنوات، لم تعد الإجابة على السؤال الثالث قاطعة بالنفي.


المتغيرات داخل اليمن


في يناير/كانون الثاني 2026، هاجمت السعودية المجلس الانتقالي بدعم الحكومة اليمنية للسيطرة على معظم أنحاء جنوب اليمن، والأهم من ذلك أن الدعم السعودي الواسع أظهر أن الرياض مستعدة مجدداً لدعم أهداف الحكومة الأمنية بشكل كامل.


ومازالت مركزية القيادة داخل القوات المسلحة للحكومة اليمنية مدعومة، ولا تزال المناطق المنتجة للنفط في محافظة مأرب، التي لطالما كانت هدفاً رئيسياً للحوثيين لتعزيز اقتصادهم، تحت سيطرة الحكومة اليمنية، وقد تراجعت احتمالات نجاح هجوم الحوثيين للاستيلاء على المحافظة إلى أدنى مستوياتها منذ حملة 2020-2021.


رغم أن الحكومة اليمنية تواجه تحديات جسيمة: تشتت السلطة، ومحدودية الإيرادات، والفساد، والاعتماد على جهات خارجية داعمة، إلا أنها في الوقت الراهن، تسير على طريق تعزيز قدراتها. وبالنسبة لزعماء القبائل الذين يدرسون خياراتهم، قد يكون المسار الإيجابي بنفس أهمية القدرة الحالية. وتتغير الإجابات على الأسئلة الثلاثة جميعها -ببطء ولكن بشكل ملموس- ضد الحوثيين.


ومع ذلك، فإن الحوثيين أكثر تطوراً من أي وقت مضى، حيث تتنوع سلاسل إمدادهم، وتوفر تحالفاتهم مع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب دعماً لوجستياً إضافياً ومصادر جديدة للمعلومات والنفوذ، كما يمنحهم جهازهم الأمني سيطرة دقيقة على الشبكات القبلية، وهو ما يصعب على أي نظام خلف لهم محاكاته على المدى القريب والمتوسط. 


ويضمن نفوذهم التصعيدي أن أي محاولة لاستغلال نقاط ضعفهم الداخلية بالوسائل العسكرية تنطوي على خطر شن ضربات انتقامية على البنية التحتية للطاقة، ما قد يترتب عليه عواقب اقتصادية عالمية، صحيح أن الحوثيين يضعفون، لكنهم ما زالوا يشكلون خطراً يقيد خيارات جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة.


إن نسيج الدعم القبلي الذي يعتمد عليه الحوثيون آخذ في التآكل، على الأقل من أطرافه، لكن الحوثيين ليسوا سلبيين ينتظرون الانهيار، فهم قادرون على التكيف، ويفهمون الحرب غير المتكافئة، ويمتلكون القدرة على التصعيد.


السؤال المطروح أمام صانعي السياسات ليس ما إذا كان الحوثيون يضعفون، فهم يضعفون بالفعل، والسؤال هو ما إذا كان بإمكان أي جهة تسريع هذا الضعف بوتيرة أسرع من قدرة الحوثيين على تعويضه، وما هو الثمن الذي سيدفعه اليمنيون والمنطقة.


ترجمة يمن شباب نت