موقع بريطاني: عودة الحكومة إلى عدن اختبار حاسم لاستراتيجية السعودية في اليمن

قال موقع ميدل إيست آي إن عودة الحكومة اليمنية المشكلة حديثاً إلى العاصمة المؤقتة عدن تمثل اختباراً حاسماً لمساعي المملكة العربية السعودية لإعادة صياغة استراتيجيتها في اليمن، في ظل بروز الرياض كفاعل خارجي رئيسي يقود المرحلة الراهنة.


وفي مطلع الشهر الماضي، أعلن المجلس القيادي الرئاسي اليمني المدعوم من السعودية، من الرياض، تشكيل حكومة جديدة تضم 35 وزيراً برئاسة شائع محسن الزنداني. وأدى الوزراء اليمين الدستورية في السفارة اليمنية بالعاصمة السعودية قبل عودتهم تدريجياً إلى عدن.


وتأتي هذه الخطوة بعد شهر من حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الجماعة الانفصالية الرئيسية في اليمن، عقب هزيمته من قبل القوات اليمنية المدعومة من السعودية وخسارته الأراضي الجنوبية التي كان يسيطر عليها لسنوات.


وأدت هذه التطورات إلى انسحاب الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي للمجلس الانتقالي الجنوبي، من اليمن، تاركةً المملكة العربية السعودية لإدارة الملف اليمني إلى حد كبير.


وقال علي الفقيه، رئيس تحرير موقع "المصدر أونلاين"، لموقع "ميدل إيست آي": "تمثل عودة الحكومة اختباراً لقدرة المملكة العربية السعودية على وضع نموذج قابل للتطبيق يمكن أن يمهد الطريق لإنهاء الأزمة، لا سيما بعد أن برزت الرياض كفاعل خارجي رئيسي في اليمن".


ولتعزيز فرص نجاح الحكومة، قدمت المملكة دعماً واسعاً، حيث اشترت وقوداً بملايين الدولارات لمحطات توليد الطاقة، وتعهدت، بحسب تقارير، بتغطية رواتب قوات الأمن والقوات العسكرية التي كانت تمولها أبو ظبي سابقاً.


كما تولت الرياض تمويل مشاريع إنسانية، بما في ذلك مستشفيات، كانت الإمارات قد أوقفت دعمها لها عند انسحابها من اليمن.


ورغم الانتشار السريع والواسع للقوات المدعومة من السعودية في عدن، لا يزال المجلس الانتقالي الجنوبي يتمتع بنفوذ داخل المدينة، وفقاً لفاطمة أبو الأسرار، الباحثة ومؤسسة "آلة الأيديولوجيا" ومقرها الولايات المتحدة.


وقالت: "إن عودة مجلس الوزراء تمثل علامة فارقة، لكن لا ينبغي الخلط بين الوجود المادي والسيطرة السياسية. ومن خلال ما نراه، لا يزال تحقيق ذلك صعباً في الوقت الحالي".


وأضافت: "فتح حل المجلس الانتقالي نافذة لعودة الوزراء، لكنهم فعلياً ضيوف في مدينة لا تزال فيها قوات الأمن تستجيب لولاءاتها السابقة، بغض النظر عن ألقابها الجديدة أو رواتبها السعودية".


تفكيك مراكز النفوذ القديمة


يقول سكان إن صور زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، الذي غادر اليمن الشهر الماضي، وأعلام الجماعة لا تزال ظاهرة في معقلها الرئيسي بعدن، فيما يحافظ آلاف من مقاتليه على وجودهم بعيداً عن الأنظار.


ويرى محللون أن التحدي الأكثر إلحاحاً أمام الحكومة هو فرض السيطرة على عدن، وهي مهمة تتطلب ما وصفته ندوى الدوسري، الزميلة المشاركة في معهد الشرق الأوسط، بـ"نهج جراحي".


وقالت الدوسري لـ"ميدل إيست آي": "التحدي المباشر يتمثل في تحقيق الاستقرار في عدن وضمان توافق قوات الأمن مع الحكومة".


ويتفق الفقيه على أن تفكيك القوات المدعومة من الإمارات، التي سيطرت على المدينة لسنوات، وتوحيد الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت قيادة الحكومة، أمر بالغ الأهمية.


وقال: "في رأيي، يعتمد إرساء الأمن على تفكيك مراكز النفوذ القديمة الموالية للإمارات، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس الكفاءة والولاء للشرعية اليمنية".


ومع ذلك، يبدو أن المجلس الانتقالي غير مستعد للاعتراف بالهزيمة. فقد نظم آلاف من أنصاره مسيرات في عدن ومدن جنوبية أخرى، تحولت بعضها إلى أعمال عنف عندما تجمع متظاهرون خارج مؤسسات الدولة، بما في ذلك القصر الرئاسي، المقر المؤقت للحكومة.


وللمرة الأولى، تواجه الحكومة احتجاجات دون قيادة واضحة يمكن التفاوض معها، في ظل غياب الزبيدي وتغيير بعض الشخصيات البارزة ولاءاتها أو التزامها الصمت.


وقالت فاطمة أبو الأسرار: "تواجه الحكومة معارضة بلا قيادة، ولا يوجد من يمثلها على طاولة الحوار. وعندما لا تتوفر جهة سياسية للتفاوض، قد تلجأ الدولة إلى القمع".


وفي حين حذرت الدوسري من استغلال "مخربين" للمشاعر المعادية للحكومة للتحريض على العنف، شددت على ضرورة إتاحة المجال للاحتجاج السلمي.


وقالت: "يجب السماح بالاحتجاج السلمي، مع محاسبة المحرضين على العنف وفق الإجراءات القانونية".


التحديات المقبلة


إلى جانب الملف الأمني، يمثل تحسين الخدمات العامة وزيادة الرواتب اختباراً رئيسياً للحكومة الجديدة.


وساهمت شحنات الوقود السعودية في تقليص انقطاعات الكهرباء في عدن ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحكومة، وهو تطور لاقى ترحيباً من السكان. غير أن محللين أشاروا إلى أن انخفاض الطلب شتاءً قد لا يعكس الصورة الكاملة، وأن الصيف سيكون الاختبار الحقيقي.


ولا تزال رواتب القطاع العام تمثل تحدياً ملحاً، إذ بقيت راكدة لسنوات، بينما تراجعت قيمة الريال اليمني بشكل حاد.


وأشار أكاديميون إلى أن دخلهم الشهري انخفض من نحو 1200 دولار قبل الحرب إلى حوالي 200 دولار حالياً، فيما أفاد بعض العسكريين بعدم تلقي رواتبهم لأشهر.


وقد أدى الصراع إلى تدمير واسع للبنية التحتية والخدمات، مع تدهور القطاع الصحي وتهالك الطرق، واستمرار حاجة الملايين إلى المساعدات الإنسانية.


وقالت الدوسري: "تحسين الخدمات وإظهار نتائج ملموسة هو أفضل وسيلة لخفض التوتر وتحقيق الاستقرار".


وحذر محللون من أن التنافسات الإقليمية قد تعرقل جهود الحكومة، مشيرين إلى أن الإمارات قد تسعى، بعد تراجع نفوذها، إلى التأثير عبر حلفائها في الجنوب.


وخلص الفقيه إلى أن أي فشل في تثبيت الحكومة في عدن سيمثل انتكاسة لمجلس القيادة الرئاسي والاستراتيجية السعودية الأوسع، قائلاً: "من دون حكومة مستقرة تمارس مهامها بالكامل، سيكون ذلك فشلاً للجميع، لا سيما في ظل احتمال سعي أطراف إقليمية إلى عرقلة الاستقرار".