الجبايات تخنق أسواق اليمن... وتُهجّر التجار والمصنعين
تسببت الجبايات والإتاوات المتعددة المفروضة من قبل السلطات في اليمن، خاصةً من قبل الحوثيين في صنعاء والسلطات المحسوبة على الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، بارتفاع الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، مع وصول تبعاتها إلى مستوى تهجير المصنعين والتجار وإفلاس كثير من الأعمال والأنشطة الاقتصادية، وارتفاع الأسعار والتضخم في كل مناطق اليمن.
ومع وصول الأزمة إلى أعمال الناس البسيطة مثل البسطات والباعة الجائلين، تسببت هذه الإتاوات بإرهاقهم والقضاء على مصادر العيش التي لجأوا إليها بعدما طاولهم العوز وتقطعت بهم السُبل مع توقف صرف رواتبهم أو عدم انتظامها، وفقدان مختلف مصادر الدخل المتاحة. في حين لم تتوقف تبعاتها عند هذا الحد بل وصلت إلى مستوى تهجير المصنعين والتجار من مشاغلهم ومحلاتهم التجارية، بسبب أعباء الإيجارات الباهظة وتراكمها وسلسلة الجبايات المتعددة المفروضة عليهم.
في السياق، كشف أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز، محمد علي قحطان، لـ"العربي الجديد" أنّ الرسوم والجبايات والضرائب القانونية وغير القانونية المفروضة ساهمت في توسع رقعة البطالة والفقر في اليمن لمستويات فاقت معدل 80%، ما أدى لتعميق الانهيار الاقتصادي والإنساني في البلاد، إضافة إلى تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقدر بأكثر من 50%، حسب تقديرات المنظمات الدولية ومنها البنك الدولي.
ومع تجذر الانقسام بين صنعاء وعدن وبدعم دول الإقليم الساعية لتحقيق أهداف خاصة بها وإطالة مدة الحرب، حدث ما يشبه "خصخصة" الخدمات العامة التي كانت تقدمها الدولة، وفق قحطان، كخدمات التعليم والخدمات الصحية، وكذا شبكات الخدمات العامة الأخرى كالكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها؛ إذ إن كل الوحدات الإدارية والاقتصادية الحكومية التي تدير تلك الخدمات العامة أصبحت تتاجر بها من خلال فرض الرسوم والضرائب، ما أدى إلى هجرة الكثير من التجار والمصنعين لأعمالهم.
إضافة إلى ذلك، يقول الخبير الاقتصادي إنهم ابتدعوا أساليب متعددة لإجبار المواطنين على دفع الجبايات، حتى يسهل لهم الوصول للخدمات العامة التي كانت تقدمها الدولة للمواطنين بالمجان مقابل الرسوم والضرائب القانونية المفروضة، الأمر الذي ساهم في تعميق الانهيار الاقتصادي والإنساني. وحسب تجار لـ"العربي الجديد"، تم إغلاق محلات في عدد من المولات التجارية الكبيرة العاملة في صنعاء، لأسباب تتعلق بالإيجارات العالية والجبايات المرهقة، أو إغلاق فروع محلات في أكثر من مول تجاري ونقل ما بداخلها من سلع وبضائع والاكتفاء بمحل تجاري واحد، لتوفير ما استطاعوا من إمكانيات لمواجهة كل هذه الأعباء.
فيما أضافت تبعات التوترات الإقليمية والتهديدات الملاحية في مضيق هرمز، إلى جانب الجبايات والإتاوات المتعددة، أعباء إضافية جسيمة طاولت القطاع التجاري الذي يجد صعوبة في استيراد احتياجاته السلعية، وكذا القطاع الصناعي. بالمقابل، يشكو أصحاب البسطات والباعة الجائلون من هذه الجبايات التي يصفونها بالمرهقة، إذ يقول بائع في بسطة على أحد أرصفة الشوارع في صنعاء، نصر أمين لـ"العربي الجديد" إنّ "البلدية وجهات أخرى تفرض عليهم دفع رسوم باهظة فوق طاقتهم ولا يستطيعون في كثير من الأحيان تسديدها، الأمر الذي يدفعهم للاقتراض لتسديدها والاستمرار في أماكنهم التي يترزقون منها".
من جانبه، تحدث أحد الباعة الجائلين، عمر سالم، لـ"العربي الجديد" موضحاً أن عليهم تسليم مبالغ طائلة مقابل "البقعة" (مكان يضعون عليه بسطاتهم أو عرباتهم)، إضافة إلى رسوم أخرى لا يعرفون أي جهة يتبعها الأشخاص الذين يأتون إليهم لتحصيلها. ويصف الناشط الاجتماعي صادق هزبر، ما يحصل في حديثه لـ"العربي الجديد"، بالقول: "لم يعد الخوف من شبح الفقر وحده من يسيطر على الباعة المتجولين، بل هناك خوف مما يطلق عليهم أطقم وأفراد البلدية والبيئة والأشغال، مضافاً إليه جبايات ورسوم ضريبية، وحق البقعة وغيرها من الجبايات التي أجبرت عدداً من الباعة على التخلي عن مهنتهم والانضمام إلى طابور المتسولين، حتى من يعملون في بسطات الحراج والسلع المستخدمة يتعرضون للابتزاز والمضايقات".
ويؤكد خبراء اقتصاد خطورة السياسات المتبعة من قبل السلطات في اليمن، وتسببها في نزوح رؤوس الأموال التي تحتاج إليها البلاد للاستثمار والإنتاج. وفي هذا السياق، يقول الخبير المالي علي التويتي في حديثه لـ"العربي الجديد": "لم يكتشف المسؤولون بعد أن الجبايات بجميع أشكالها هي السبب الرئيسي في الركود الحاصل وهجرة المصنعين ذوي الخبرة الكبيرة والطويلة؛ حيث سيعرفون بعد فوات الأوان أن تلك المصانع الكبيرة التي استقرت في عدة بلدان كان يمكن أن تكون في اليمن لو تم معاملة أصحابها بشكل جيد". "كما سيكتشفون كذلك أن لدينا في اليمن جيلاً كاملاً عمره بين 15 و35 عاماً يعيش عاطلاً بلا مهن ولا عمل، وهذا ضرره المستقبلي أكبر بكثير"، حسب التويتي.
العربي الجديد