"خمس منازل لله وغرفة لجدتي"... جدل الدين وجدل الواقع

"خمس منازل لله وغرفة لجدتي" (الساقي، 2025) رواية اليمني مروان الغفوري، التي بلغت اللائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية، تُطابق عنوانها بل عنوانَيها. ليست الرواية، كما قد يخطر للبعض، دينية. ليست رواية دعوة ولا تبشير ولا خطبة أو عظة، مع ذلك فإنّ عالمها هو الدين، ومجتمعها من الدين، وجدلها ديني، لكنها رواية قبل كلّ شيء، ومقدرتها هنا. هي ليست مبحثاً في الدين ولا درساً دينياً، إنها حيث الدين في الحياة والواقع والسلوك اليومي. 

يشغل الدين جانباً مهمّاً من الحياة الاجتماعية، بل جانباً طاغياً وخاصة في بيئاتنا. الدين وأعني الإسلام جزء أساس في يوميات المسلمين وردودهم وأفعالهم. لن يكون في اليمن مختلفاً، بل هو هناك قد يكون أكثر حضوراً. ليس ديناً فحسب، إنه واقع وحياة بقدر ما يمازج أوقات الناس وأعمالهم وتفاصيلهم الكبيرة والصغيرة. ما فعله مروان الغفوري هو تماماً ذلك، إنه تناول الدين من هذا الوجه، رؤيته وهو يتغلغل في أيام الناس وجزئياتهم ومعاشهم وحاضرهم. شخصيات الرواية هي في هذا الازدواج بين الحياة الشخصية الدارجة، والإيمان، بل والجدل الدينيّين، فهما في صلبها ولكلّ مساره فيهما. الأخ يونس الذي يفتتح به الرواية مؤذّنٌ لكنه أيضاً صاحب دكان. مؤذّن له حاسّته الموسيقية، فهو يؤذّن على مقامَي النهوند والصبا، لكنه أيضاً صاحب دكان. 

الدين عنده متصل بمزاجه، فهو ضحوك صاحب نكتة، ودينُه لا ينفصل عن مرحه. تراه يقسم الناس إلى عباسيين وأمويين، العباسيون من يصلّون خلفه، والأمويون من يقصدون دكّانه. ليس المؤذّن وحده صاحب نكتة فالراوية أيضاً كذلك، لذا نجده يصرّ، غير مرة، على أن الديوك تتجاوب مع أذان يوسف، وتسبق إلى سماعه، ثم إنّها جفته حينما بدّل في أذانه. يونس دينه سطحي، كذلك حال البعداني الذي داهمه إخوة زوجته، واحتملوها معهم. لكن بين أهل الدين أصحاب دكاكين وأساتذة وشيوخ، وهم يزاوجون بين الدين والفيزياء والهندسة والموسيقى والفلك والكونغ فو.

ثم إنهم في دينهم فرقٌ، منهم الإخواني والسلفي والتبليغي والصوفي. هؤلاء، رغم إسلامهم، يفترقون، كما يدل العنوان، على طُرقهم إلى الله ورؤاهم للمعصية والحساب. يتساءل يونس المؤذّن "لماذا لا يضحك المسلمون"، أما البعداني فيحتجّ في نقاشه بأن الدعوة سلعة، وعلينا أن نرفقها بكلّ ما يُغري. لكن الجدل يحتدّ حول أقنومَي: "النبي" و"الشيطان"، حمود يعترض على هذه القسمة، كما أن الجدل يشتدّ حول ماهية المعصية. هنا نسمع الصوفي شمس الدين يقول بأن الكبائر شرط عصبي ليس لأننا لا نقدر على تركها بل لأننا لا نعرف ما هي الكبيرة، هكذا نحن أمام جدل حامٍ يصل إلى حدّ التكفير. الغفوري يجد في كل ذلك رواية فحسب، إنه يتناول مفترقات كبيرة، ولا يبالي بأن يعرضها بكل ما فيها من اختلافات، تصل إلى خصومة حقيقية. 

يحرّر الجدل الفكري والديني من إطاره ويمزجه بالفانتازيا

ما يهمّه هو الرواية، وهو قادر على أن يحوّل علماً جافاً إلى متعة روائية، بل هو يضفي على ذلك لغة تشبه أحياناً الشعر، وخيالاً فانتازياً بعيداً كتلك الحكاية التي يؤلفها الراوية المراهق لنفسه، والتي يخترع فيها امرأة لأستاذه نبيل، امرأة يحار في أنها زوجته أو ابنته. يخترع المرأة ويسمّيها كما يخطر له، ويتبادل معها رسائل وهمية، ويستغرقه الوهم لدرجة تجعله يكلف صاحب الدكان بأن يتوسط له معها. تلك الحكاية هامش للجدل الديني ينقله إلى دنيا أُخرى. هكذا نجد مقابل الخلاف على تعريف المعصية والكلام الصريح النافر بشأنها. هذا الخفاء الهائل لها والوهم حولها، اللذان يجعلان منها قلقاً مكبوتاً وعقدة باطنة.

العنوان الثاني في الرواية "غرفة لجدّتي" ينقلنا مما يشبه سيناريو اجتماعياً وفكرياً، إلى حكاية قائمة بذاتها. لا نزال في جو الرواية وبين أشخاصها، والراوية المراهق أولهم. لا يبقى الكثير من الجدل الديني. هنا الفولكلور الشعبي، الجدّة في أرذل العمر، كما يقول شمس الدين، لكن هذيانها من الطرافة بحيث يمكن البناء عليه قصة كاملة. هي تقول إنّ الملائكة يغلطون، فهم قبضوا روح "وهيبة" بدلاً من أن يقبضوا روح "غزلان"، أمّا من يغلّطهم فهو علي الراعي والعاهرة زوجته. لا تنفع قراءات المقرئين عليها في معالجتها، عند ذلك يحملها حفيدها الراوية إلى بيت الصوفي شمس الدين، حيث تقيم أُسبوعاً في ضيافته ومع زوجته وابنته، التي يستعيد بها الراوية هوسه الأول. هناك تستمر في هذيانها بل تتوسع فيه، لا تتكلم فحسب عن زوجة علي الراعي، التي راودت ابنها عن نفسه، بل تستمر في كلامها الفضائحي، بحيث تشمل الجميع، كلّ نساء القرية وكلّ رجالها. هذا المشهد يمتّع أهل البيت وزوارهم الذين يتوافدون بوفرة لسماعه، لكن الفضيحة تصل إلى القرية وتربك أهلها، الذين تتناولهم في هذيانها واحداً واحداً وواحدة واحدة.

هنا نجد غرفة الجدة مقابل منازل الله، والجدل حول "الكبيرة" مقابل الفضيحة العامة. لا نزال في المناخ نفسه وإن بصورة أُخرى، الراوية المراهق لا يزال يخترع لنفسه ذنوباً، هناك الدين بفرقه واتجاهاته، لكن هناك أيضاً التراث الشعبي من جنّ وسواه. هناك لعبة الأرواح التي يغلط فيها الملائكة، لكن هناك العلم وفلسفة شوبنهاور، وهذا الكلام الذي يقرن الدين بالفردية والاختيار الحر. هكذا تستعير الرواية من جدل معاصر، وهكذا يستطيع مروان الغفوري أن ينقل العالم إلى اليمن، وأن يستخرج من موضوع جاد فقهي، ليس طرافة ومتعة فحسب، بل ورواية أيضاً.

العربي الجديد