تعز والعدوان الحوثي
تخوض جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران أشرس معاركها في مدينة تعز بغرض ضمّ ما تبقى من مديرياتها، وتتّخذ عملياتها العسكرية سمات حرب أهلية مكتملة المعالم، تديرها ضد مدنيين محاصرين، وبكل ثقلها العسكري والسياسي، إذ باتت حربها في تعز تفتقر لأيّ هدف عسكري، عدا الإذلال وعقاب مجتمع محلي بأكمله ومحاولة إخضاعه بالقوة.
تشتبك في تعز مفاعيل القوة العسكرية المفرطة لجماعة الحوثي مع الذاكرة الحية والمستمرّة لمجتمع مُنتهك عانى قهرها وترويعها، بدءاً بالقصف العشوائي على مدى سنوات الحرب إلى فرض حصار اقتصادي خانق وتقسيم المدينة جغرافياً وديمغرافياً، وتقطيع أوصالها، ما يمنح الحرب في مدينة تعز بعداً مُغايراً يتجاوز صراع فرقاء سياسيين على السيطرة الجغرافية إلى بعد اخضاعي قسري يحوّل السكان هدفاً منذوراً للقتل والاستباحة، ناهيك عن هزيمتهم نفسياً وكسر إرادتهم ومصادرة قناعاتهم السياسية، فإذا كان العداء لمشروع الجماعة الطائفي حقيقة بدهية في تعز محفزة للرفض الشعبي، فإنّ كونها حاضنة مجتمعية لمشروع الدولة الوطنية يعمل على توليد طاقات مُضاعفة لمقاومة الهيمنة الحوثية وإكراهاتها، إلا أنّ الجماعة الأيديولوجية العمياء تراكم دوراتٍ متكرّرة من القهر والكراهية بحيث تدفع حربها في تعز نحو مسار حرب أهلية، إذ لا يقتصر هذا على توسيعها جغرافية الحرب من المدينة إلى الريف، وتدمير هامش مكاني للنجاة، بل ينعكس في خطابها الديني الذي يغلف حربها في تعز، وكذلك طبيعة مواردها العسكرية وتحالفاتها، إلى جانب أهداف عملياتها واستراتيجيّتها العسكرية، فضلاً عن تجذير سياسات عقابية وإذلاليه تنتهك الشرط الإنساني للحياة البشرية.
بالنظر إلى أنّ أياً من أشكال السيطرة على مجتمع مُغاير، سياسياً كان أو عقائدياً أو جغرافيّاً تُرسمه كعدوان غير مبرّر، فإن حرب الجماعة في تعز تكتسي بمضامين أيدلوجية ودينية، وكذلك تمييزية تطاول السياسي والمجتمعي، فعلى صعيد الخطاب السياسي يغلف الديني- الطائفي خطابها لشرعنة استباحتها تعز، بحيث تتجاوز ثنائية شيعي- سني إلى بعد أيديولوجي يخصّ تمظهرات الجماعة دينياً، إذ انتقل خطابها من توصيف نطاق سكّاني بأنهم "دواعش" إلى "خوارج"، ومن ثم استدعاء تاريخي لصراعات الجماعة الشيعية، وفي صلبها صراع علي بن أبي طالب مع جماعة الخوارج، ومن ثم ترميز حربها وشحنه في تعز بمزاعم نصرة مظلوميّة علي التي تنسب الجماعة نفسها لنسله. بموازاة هذا، تحضر لغة تميزية مناطقية في خطاب الجماعة لا تُحقر من جغرافية سكانية وتوصمها بالارتزاق فحسب، بل أيضاً تعتبرها مصدر انحلال خُلقي، ومن ثم يقتضي هذا ضرورة احتلال تعز بهدف إصلاح المجتمع من خلال فرض نموذجها الديني الطائفي. وفي سياق آخر، وإن كان أكثر أهمية من حيث طبيعة حربها في تعز، تعكس تركيبة التحالفات الاجتماعية وبنية التشكيلات العسكرية دلالات حرب أهلية واضحة، ففي مقابل اعتمادها على الطبقات المفقرة قواماً بشرياً لإمداد حربها في الجبهات الغربية من تعز وفي قرى جبل صبر، تشكّل الأنساق الأيديولوجية من مقاتلي الجماعة، سواءً من المنتمين لأجهزتها الأمنية أو نخبتها العسكرية طابعاً آخر يَسِمُها بأنها حرب طائفية، بالاعتماد على حاضنتها المذهبية من صعدة إلى ذمار وعمران، كما أن استثمارها بؤر احتقانات طائفية سابقة مورداً بشرياً للمقاتلين، خصوصاً من المُهجّرين، كأبناء منطقة الصراري في صبر والرميمة يكرّس طابعاً عقائديّاً وانتقاميّاً في بيئات قروية مُغلقة، فضلاً عن زجها بأبناء مدينة إب في حربها في تعز، ما يجذر صراعات مناطقية ويقوّض ما تبقى من التعايش الأهلي.
عسكرياً، تكشف حرب جماعة الحوثي في تعز عن استعراض للقوة لا أكثر، يتخذ منحىً إخضاعيّاً، لأنّها حرب خارج الضرورة العسكرية، فإذا تجاهلنا افتقادها لغطاء سياسي يسند هجومها على جغرافية محاصرة ومطوّقة من جميع الجهات، فإنّ حربها في تعز تفتقر إلى أيّ بعد استراتيجي، سواءً على المستوى العسكري أو السياسي، بما في ذلك الاقتصادي، ومع أنه يجري ربط تصاعد المعارك في تعز مع تطوّرات جبهة الساحل الغربي، والأهم مستقبل تأمين مضيق باب المندب، فإنّ المعطيات العسكرية على الأرض قد فصلت هذه الجبهات عن بعضها، مقابل تثبيت عزل تعز مسرحاً لمعارك الجماعة، فإضافة إلى تثبيت سيطرتها على الساحل الغربي وفي المديريات الغربية من تعز، بحيث مكّنها هذا من التمركز في مواقع متقدّمة، ومن ثم إيجاد بديل عن المقامرة بالهجوم على أحياء تعز السكنية، ما يعني انتفاء جدوى معاركها على تخوم المدينة، سواءً للضغط على السعودية أو لتأمين سيطرتها الميدانية على باب المندب، بما في ذلك الضغط على مدينة عدن وحصار خصومها، أي السلطة الشرعية، ففي الأسابيع الأخيرة، سيطرت الجماعة على نطاقات استراتيجية في تعز وفي مركزها أرياف الحجرية التي تشكل موقعاً أمامياً يطلّ على عدن، إلى جانب توسيع رقعة سيطرتها في عدد من قرى شرق جبل صبر، ومن ثم عطلت قنوات الإمدادات العسكرية الرسمية كالطرق البرية والممرات الجبلية، ومن ثم تحييد إمكانية تغيير خريطة السيطرة لصالح خصومها، كما أن تمدّد الجماعة جنوباً في ريف الحجرية في نقاط التماس مع مدينة لحج، مكنها من الإشراف على مسارات الإمداد القادم من الجنوب، وعزل تعز عن جنوب اليمن، إلى جانب وضع التشكيلات العسكرية في دائرة نيرانها، وبالتالي فإنّ استمرار هجومها العسكري على مداخل تعز الغربية وسعيها لإسقاط المدينة يفتقد لأي غاية عسكرية بحيث يجعلها عملية انتقامية، وذلك عبر معاقبة السكان وتحويل معاناتهم وحصارهم إلى ورقة مساومة مع خصومها لإجبارهم على تسليم المدينة؛ ومن جهة ثانية، فإنّ الاستراتيجية العسكرية التي تتبعها الجماعة تعكس ليس نهجها العدواني والعنفي فحسب، بل ومقامرتها بمكاسبها الميدانية، مقابل توليد كراهية متأصّلة ضدها، ناهيك عن تجاهلها لحساسية وضع شركائها من النخبة التعزية التي باتت بين نارَين، الانقياد للجماعة بإخضاع مجتمعاتهم وبين تعرضهم للانتقام مستقبلاً، فإلى جانب حصار مداخل المدينة ومخارجها، بما في ذلك الطرقات الجبلية عبر جبل صبر ووضعها تحت نيرانها، ومن ثم تشديد حالة من الحصار الإنساني غير مسبوق، فإنّ آليات حربها تكشف عن تعمد قتل المدنيين وإلحاق أكبر قدر من الخسائر في الأرواح، وذلك باعتمادها على الطائرات المسيّرة المفخّخة والمدافع والصواريخ الباليستية لاستهداف التجمعات السكانية، إذ تسبّبت هجماتها إلى الآن بقتل المئات من المدنيين، يوازي ذلك منع دخول مياه الشرب والمواد الغذائية والعلاجية والوقود، ومن ثم المقامرة بقتل وموت أكثر من مليون مدنيّ محاصرين، فضلاً عن نهج آخر لا يقل بشاعة وعنفاً جذّرته في أرياف المدينة.
الانتقام فقط، وتجريف كل أشكال الحياة، مقابل تكريس الغلبة والعدوان، الأذية والاستباحة، هي الثيمات الرئيسية لنموذج سلطة الجماعة في أرياف تعز المحتلة، وإذا كانت النطاقات الريفية عموماً لم تشهد غزواً عسكريّاً، ربما من أيام حكم نظام الأئمة في أوائل القرن الماضي، بحيث ظلت متنفساً حيوياً لسكان المدينة، ورئة اقتصادية متبادلة، إلى جانب الأشكال الوظيفية الأخرى، فإنّ نقل الجماعة حربها إلى هذه الجغرافية والسيطرة عليها عسكرياً عبر الإخضاع لم يؤدّ فقط إلى عسكرتها، بل وحوّل جبالها وحقولها ومزارعها وموائلها الطبيعية إلى مسرح لعملياتها الحربية، ومن ثم تعويم الحرب جغرافياً، ومضاعفة كلفتها من النطاق المديني إلى الريفي. كما أنّ الجماعة، وعبر سيطرتها على أرياف تعز، لم تعزل النطاق المدني عن العمق الريفي فحسب، بل أيضاً قوّضت إمكانية نزوح سكان المدينة إلى قراهم، إلى جانب فرض نموذج سياسي مشوّه يعد وجه آخر للغلبة، فمع رفض الأهالي تطبيع الوضع مع سلطتها، فقد عملت على تثبيت نموذجها من حيث سلطة المشرفين من القوى الهامشية المتحالفة معها، ووضعهم في السلطة، مقابل تدمير مؤسّسات الدولة، يقابله تكريس سياسة عنفية وانتقامية، إذ إنّ مسمّى العفو العام الذي روّجته الجماعة يكذبه سجل حافل من الإعدامات الميدانية التي جرى توثيقها، والتي طاولت قيادات عسكرية وسياسية ومن المقاومة الشعبية، إلى جانب الإخفاءات القسرية والاعتقالات وتفجير منازل خصومها، بموازاة فرض نهج عقابي إنساني يطاول القرويين، من مصادرة الموارد الشحيحة ونهب الممتلكات العامة والخاصة وكذلك تجنيد الشباب في حربها في تعز، إلى تفجير العبارات التي تربط القرى في ريف الحجرية بطريق مدينة لحج، وكذلك قطع الطرقات الجبلية بين هذه القرى ومدينة التربة، أي تدمير جميع الممرّات البشرية شمالاً وجنوباً لوصول إمدادات الحياة لآلاف القرويين المحاصرين، ومن ثم في تعز أو في أريافها، لا شيء تبتدعه الجماعة في مسيرتها الطويلة والمنهكة لها وللمجتمعات التي تمرّ بها سوى تنويع وسائل الموت والدمار، ما يجعل الخيار المتبقي لدفع الأذى مقاومة عسف قوّة طاغية.
العربي الجديد