تعز تُربك حسابات الحوثيين: من زخم الهجوم إلى استنزاف الحصار
منذ مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، بدأ الحوثيون تصعيداً عسكرياً في الساحل الغربي لليمن ومحافظة تعز، وخلال أسابيع قليلة نجحوا في السيطرة على مدينة المخا الساحلية ومضيق باب المندب، ليتوسعوا بعد ذلك بالسيطرة على مديريات الريف الجنوبي لتعز، بما في ذلك مدينة التربة التي تمثل حلقة وصل بين مدينة تعز والعاصمة المؤقتة عدن جنوب اليمن، في تطورات متسارعة أحدثت تغييرات واسعة في خريطة النفوذ بالمحافظة.
وبشكل متسارع، فرض الحوثيون سيطرتهم على مديريات الريفين الجنوبي والغربي (جبل حبشي، الشمايتين، المعافر، المواسط، الصلو، وسامع). غير أن عجلة هذا التقدم توقفت عند جبهات مديريتي الموادم والمسراخ التابعتين لجبل صبر الذي يحتضن مدينة تعز من الجهة الجنوبية، كما توقفت عند المدخل الغربي للمدينة؛ حيث تركز القتال على المرتفعات المطلة عليه، وفي مقدمتها جبل هان ومحيط وادي الضباب وحذران، إذ واجهت القوات المهاجمة مقاومة أشد، بالتزامن مع انتقال القوات الحكومية والمقاومة الشعبية إلى تنفيذ هجمات مضادة واستعادة مواقع استراتيجية. ومع أن جماعة الحوثيين تمكنت من فرض ضغوط متزايدة على المدينة وطرق الوصول إليها، فإن ذلك لم يتحول تلقائياً إلى سيطرة كاملة على المداخل الحيوية أو إلى انهيار دفاعات القوات الحكومية.
خطوط التماس في تعز ليست هادئة
وفي 28 أكتوبر/ تشرين الأول، تحدثت مصادر عسكرية عن استعادة القوات الحكومية تلالاً ومواقع استراتيجية غربي تعز مطلة على خط الضباب، بعد عملية أُعلن أنها اعتمدت تكتيكات جديدة. وجاءت هذه التطورات عقب اشتباكات شهدتها جبهات غربي المدينة خلال الأسابيع السابقة، بما فيها جبل هان وحذران ومحيط المطار القديم. وتشير هذه المعطيات إلى أن خطوط التماس لم تتحول إلى جبهة ساكنة تماماً، بل شهدت تحولاً من محاولات الاختراق الحوثية إلى عمليات متبادلة للسيطرة والتبادل الناري.
ولا يمكن فهم الميدان العسكري في تعز بمعزل عن تضاريسها المعقدة واستثمارها عسكرياً؛ فالمدينة تتشكل من وادٍ تحيط به مرتفعات شاقة ومسارات محدودة، وفي مقدمتها جبل صبر الذي يرتفع أكثر من 3 آلاف متر عن سطح البحر ليشرف بوضوح على الأحياء الشرقية والجنوبية والغربية، ويمتد ليشمل مرتفعات جبل حبشي ومحيط الضباب. وقد حوّل هذا الارتفاع الشاهق المرتفعات إلى منصات استطلاع ودفاع ناري كاشف، تفرض على القوات المهاجمة التحرك تحت رصد دقيق، ما يعيق تحقيق المفاجأة ويجعلها مكشوفة كلياً عند صعودها من الأودية. وفي ظلّ ضيق مساحة المناورة هذه، تلاشت ميزة التفوق العددي والتسليحي للحوثيين أمام الكمائن المحكمة، في وقت استغل المدافعون هذه الحصون الطبيعية عبر نقل مجموعاتهم بين مواقع متقاربة.
ويشكل المدخل الغربي لتعز (وادي الضباب) الشريان الرئيسي لكسر الحصار، حيث اصطدمت هجمات الحوثيين بعوامل ميدانية مانعة أدّت إلى تراجعها؛ أبرزها استنزاف أنساقهم القتالية وتحطم موجاتهم البشرية أمام تحصينات الجيش ونيرانه المتقاطعة، فضلاً عن خطوط إمدادهم المكشوفة لنيران القنّاصة والمدفعية والضربات الجوية الحاسمة، إلى جانب تعقيد الكتلة السكانية وتداخل القرى والمزارع الذي حرم المهاجمين من استخدام القوة المفرطة.
وأخيراً، شهد أداء القوات الحكومية و"المقاومة الشعبية" في تعز تحولاً جذرياً ونوعياً من الدفاع السلبي إلى المبادرة، وإلى التخطيط للضربات الاستباقية، وتنفيذ الهجمات المضادة. وتحقق ذلك بفضل إحداث تغييرات هيكلية تمثلت في توحيد القيادة باندماج فصائل المقاومة ضمن أجهزة وكتائب محور تعز العسكري، وإنشاء غرفة عمليات موحدة نقلت العمل الميداني من العشوائية إلى الخطط التكتيكية المنظمة، يرافقها دور محوري للحاضنة الشعبية. ولم يكن هذا التحول نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تفاعل بين الخبرة المتراكمة، والقدرة على إعادة تنظيم الدفاع، واستغلال لحظة توقف الهجوم الحوثي وانشغاله بتثبيت مواقعه الجديدة.
وتؤكد التطورات الميدانية في جبهات حذران والصياحي والضباب ومحيط المطار القديم أن معركة تعز تجاوزت صدّ الهجمات إلى استعادة المرتفعات الحاكمة والمواقع المطلة على خطوط السير الحيوية، شريطة الحفاظ على خطوط الدعم والاتصال مفتوحة.
ويشهد الوضع الميداني عند الأطراف الغربية لمدينة تعز جدلاً واسعاً بين الخبراء حول دلالة توقف التقدم الحوثي؛ فبين من يرى أنه قرار تكتيكي مدروس للاكتفاء بالحصار وتوفير القدرات لجبهات أخرى، وبين من يؤكد أنه نتاج عقبات عسكرية قاهرة تحول دون مواصلة الاختراق. ورغم أن الضغط المستمر على الطرق يحقق أهدافاً في إنقاص موارد القوات المدافعة وإحكام الطوق، فإن الهجمات المضادة واستمرار الاشتباكات العنيفة حول المرتفعات يؤكدان وجود عقبات حقيقية تعرقل تحويل التقدم الأولي إلى سيطرة مستقرة. وعليه، تخلص القراءة المتأنية إلى أن توقف الحوثيين لم يكن خياراً مبكراً، بل تحولاً تدريجياً من عجز ميداني مفروض إلى تكتيك اضطراري لاعتماد الحصار كبديل عملي لتعويض فشلهم في كسر الدفاعات الصلبة لتضاريس تعز.
استنزاف واسع
ورأى الخبير والمحلل العسكري علي الذهب، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن تقدم جماعة الحوثيين في ريف تعز استهدف ما وصفه بـ"الخاصرة الرخوة" للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية، إذ اندفعت الجماعة بوتيرة وديناميكية عالية إثر سيطرتها على الساحل وتوغلها في مديرية الوازعية، مستفيدةً من كميات كبيرة من الأسلحة النوعية فائقة الأداء التي استولت عليها في تلك المواجهات. في المقابل، تعرضت قوات الحوثيين، بحسب شرحه، لاستنزاف واسع على طول خطوط المواجهة داخل ريف تعز عجزت خلاله عن تعويض خسائرها البشرية، ما جعل الجماعة تكتفي بفرض حصار مطبق على مدينة تعز والتفرغ لاستكمال مهامها العسكرية في منطقة باب المندب، معتبراً الأخيرة "مهمة استراتيجية أولى محلياً وإقليمياً لخدمة تطلعات إيران وتأمين نفوذها في المضيق تحسباً لأي هجمات أميركية أو إسرائيلية محتملة".
وبيّن الذهب أن حدة الهجوم تراجعت نسبياً عقب وصولهم إلى أطراف المدينة الغربية وسحب جزء من قواتهم من المخا، مع إبقاء عناصر لإدارة اشتباكات متقطعة في مناطق التماس الممتدة من جبل هان والمسراخ ومشرعة وحدنان وصولاً إلى جبهة الشقب.
وأرجع هذا التراجع إلى عاملين رئيسيين، تمثلا في الغارات الجوية الفاعلة التي كبّدت الحوثيين خسائر بشرية ومادية فادحة قلّصت قدراتهم وسقف طموحاتهم، وإلى الصمود منقطع النظير للجيش اليمني والمقاومة، حيث أسهمت عمليات سحب المقاتلين من الريف لتطويق المدينة بسياج أمني متماسك في إحباط أساليب خداعهم العسكري.
وعلى صعيد جاهزية أطراف الصراع والتضاريس، أشار الذهب إلى أن مقاتلي الجيش اليمني والمقاومة، لا سيما أبناء مدينة تعز وجبل صبر، يتمتعون بخبرة ميدانية عالية ومعرفة دقيقة بتضاريس المنطقة، بينما يمتلك الحوثيون خبرة مشابهة في الجبال، مستدركاً بأن قسماً كبيراً من مقاتلي الجماعة أصابهم الإنهاك والتقدم في السن ولم يعد في مقدورهم التحرك بمرونة، باستثناء العناصر القادمة من المديريات الريفية في صعدة وحجة القادرة وحدها على المناورة. وبذلك، خلص الذهب إلى أن التحركات الحالية ليست استراتيجية عسكرية بالمعنى المفهوم، بقدر ما هي استسلام لمعطيات الأمر الواقع والمحددات الميدانية المفروضة.
وأشار الباحث في مركز صنعاء للدراسات، عادل دشيله، في حديث لـ"العربي الجديد"، عن استراتيجية إيران والجماعة المتمثلة في السيطرة على باب المندب ومضيق هرمز لخنق الملاحة الدولية ودول شبه الجزيرة العربية والتمدد باتجاه القرن الأفريقي، مشيراً إلى أن هذه الاستراتيجية المرتكزة على تطويق المنطقة نجحت جزئياً عبر جماعات ما دون الدولة في العراق واليمن، رغم إخراجهم عسكرياً من سورية. وأوضح أن الحوثيين "استولوا على باب المندب وساحل البحر الأحمر بدعم إيراني مباشر باستخدام أسلحة نوعية وطيران مسيّر وصواريخ وعمليات مكثفة تماثل استراتيجية الحرس الثوري في الحرب العراقية الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي".
وأضاف دشيله أن سيطرة الحوثيين على بعض المناطق في تعز كانت متوقعة لكونها مناطق مفتوحة بلا تحصينات، لافتاً إلى حدوث انهيار معنوي في بعض المناطق عقب هزيمة قوات طارق صالح في ساحل البحر الأحمر. في المقابل، أكد أن مدينة تعز، ورغم الحصار المستمر والخسائر البشرية والمادية الجسيمة جرّاء القنص والألغام وطول الحصار، ظلّت عصية على الحوثيين وقوات الرئيس الراحل علي عبدالله صالح طيلة أكثر من عقد من الزمن بفضل تماسكها الاجتماعي والسياسي وإجماع أبنائها على الدفاع عنها، وفق رأيه.
وبيّن الباحث أن الحوثيين يدركون أن اقتحام تعز سيكون مقبرةً لهم، ولذلك فشلوا عسكرياً في ذلك رغم محاولاتهم الحثيثة بكل الوسائل. وشدّد على أن تعز "تمثل رمزية قانونية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، وخصوصاً اقتصادية فريدة للدولة اليمنية والنظام الجمهوري، وأن سقوطها لا سمح الله، سيهتز معه البناء القانوني للشرعية"، وفق تعبيره.
وأضاف: "ما تبقى للدولة في الشمال يتركز رمزياً في تعز سياسياً، وفي مأرب اقتصادياً وقبلياً، وهناك ترابط جغرافي يمتد من مأرب مروراً بشبوة وصولاً إلى تعز".
وأكد دشيله أن تعز "تضرب اليوم مثالاً فريداً في التضحية والصمود وابتكار وسائل الدفاع المستمرة لكسر الحصار"، مستبعداً قدرة الحوثيين على اقتحامها، وهو ما يفقدهم المعنى السياسي لأي عمليات عسكرية يحققونها. ودعا في ختام حديثه الدولة إلى "تقديم دعم عسكري ومادي فوري لتعز وفك الحصار عنها، وعدم الاكتفاء بالثناء والإشادة، نظراً لأهميتها الاستراتيجية والرمزية الكبرى للجمهورية اليمنية".
العربي الجديد