مستشفيات تعز... نقص الأدوية والوقود والكوادر يهدّد حياة الجرحى والمرضى
تواجه مستشفيات مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، خطر توقف عدد من الخدمات الطبية الحيوية بالتزامن مع تعرض المرافق الصحية للقصف، مع تزايد أعداد الجرحى من جراء التصعيد العسكري، ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية. ويحذر مسؤولون صحيون من أن استمرار الأزمة يعطل أقسام الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة والغسيل الكلوي، في وقت تضطر فيه الكوادر الطبية إلى العمل فوق طاقتها لاستيعاب المصابين.
وحذرت إدارة مستشفى الثورة العام، أكبر المرافق الطبية الحكومية في تعز، من خطر الإغلاق الوشيك نتيجة شح مادة الديزل ونفاد أدوية ومستلزمات منقذة للحياة بالتزامن مع تدفق الجرحى والضحايا. ولا تقتصر التداعيات على المصابين جراء المواجهات والقصف، بل تمتد إلى المرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم، وبينهم مرضى الفشل الكلوي والأطفال الخدّج والمرضى في وحدات العناية المركزة.
يقول رئيس هيئة مستشفى الثورة العام، الطبيب عبد الرحمن صالح الصبري، إنّ المستشفى يواجه وضعاً بالغ الصعوبة مع تزايد أعداد الجرحى وتراجع مخزونات الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، وإن استمرار الوضع الحالي يهدد بتوقف الخدمات في مختلف الأقسام. ويوضح لـ"العربي الجديد"، أنّ "المستشفى يمثل أحد أبرز المرافق الطبية التي يعتمد عليها سكان تعز ومحيطها، ويواجه تحديات استثنائية تهدد قدرته على مواصلة العمل في ظل الحصار المستمر، وتدفق المصابين من جراء المواجهات والقصف".
ويضيف الصبري: "اضطرت إدارة المستشفى إلى اتخاذ تدابير طارئة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الجرحى، شملت إخلاء أقسام غير جراحية، من بينها الباطنية والحروق، لتوفير مساحات إضافية لاستقبال المصابين، إلى جانب تشغيل 14 طاولة عمليات، وفتح غرف عمليات جديدة بالتنسيق مع المستشفيات الحكومية والخاصة في المدينة. استقبل المستشفى منذ 2 سبتمبر/أيلول الماضي حتى 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري أكثر من 1156 جريحاً، وأجرى الكادر الطبي مئات العمليات الجراحية التي تنوعت بين عمليات كبرى ومتوسطة وصغرى. نستقبل النسبة الأكبر من ضحايا الاشتباكات والقصف الذي يطاول الأحياء السكنية ومناطق التماس، ما يضاعف الحاجة إلى توفير الإمدادات والموارد التشغيلية بصورة عاجلة".
ويحذر من أن "استمرار النقص قد يدفع المستشفى إلى الإغلاق، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على آلاف المرضى. لا يمثل نقص الديزل مشكلة تشغيلية عادية، بل تهديداً مباشراً للأقسام التي تتوقف سلامة المرضى فيها على توفر التيار الكهربائي لتشغيل الأجهزة الطبية. يعتمد المستشفى على المولدات لتشغيل مرافقه الحيوية، وفي مقدمتها غرف العمليات والعناية المركزة وحضانات الأطفال ومحطات توليد الأكسجين. وتوقف المولدات يؤدي إلى تعطل أجهزة الإنعاش وغيرها، ما يضع حياة المرضى في خطر مباشر، خصوصاً الحالات الحرجة التي تحتاج إلى مراقبة مستمرة أو تدخلات عاجلة".
وتتجاوز الأزمة، وفق الصبري، مسألة الوقود إلى نقص الأدوية التخصصية ومحاليل الغسيل الكلوي والمضادات الحيوية المتقدمة ومستلزمات الطوارئ الجراحية، ويعني استمرار النقص تقلص قدرة المستشفى على توفير العلاج، في وقت لا تستطيع فيه شريحة واسعة من المرضى شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة بسبب تدهور أوضاعها المعيشية.
وفي مؤشر على اتساع المخاطر، استهدفت جماعة الحوثيين مستشفى الصفوة في وسط مدينة تعز، فجر 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ما أدى إلى إلحاق أضرار مادية بأقسام المستشفى، وأفادت مصادر محلية بأن القصف وقع أثناء تجمع مسعفين لنقل الجرحى، ما أدى إلى تناثر الزجاج داخل الغرف، وأثار الهلع بين المرضى والكوادر الطبية.
وتؤكد وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية، إيلان عبد الحق، أنّ الأزمة تجاوزت حدود النقص المعتاد في الإمدادات، وباتت تهدد قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات الأساسية والطارئة، وتقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "السلطات المحلية تكثف اتصالاتها مع المنظمات الدولية والأممية ومختلف الجهات الإنسانية، لإطلاعها على الوضع الصحي في المحافظة، في ظل تزايد أعداد الجرحى، وشح الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود. تتحمل المستشفيات أعباء تفوق طاقتها الاستيعابية وإمكاناتها التشغيلية نتيجة انقطاع الوقود وشح الأدوية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف التشغيل".
وتشدد عبد الحق على "الحاجة العاجلة إلى توفير كميات كافية من الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية، وضمان استمرار العمل في غرف العمليات والعناية المركزة ومراكز الغسيل الكلوي وحضانات الأطفال حديثي الولادة، وأي تأخير في توفير الاحتياجات ينعكس مباشرة على حياة المرضى والجرحى. نطالب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالانتقال من الاستجابات المحدودة إلى تدخلات ملموسة تتناسب مع حجم الاحتياجات، تشمل إمدادات طبية طارئة، وتوفير الوقود بصورة مستمرة، ودعم المرافق التي تستقبل الجرحى، كما ندعو إلى فتح ممرات آمنة لمرور الوقود والأدوية حتى لا تتفاقم الخسائر البشرية، فالمساعدات المؤقتة لم تعد كافية لسد الفجوة بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتزايدة".
وتُبرز التقديرات الأممية لعام 2026، التدهور المتواصل في القطاع الصحي باليمن؛ إذ تفيد منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" بأن امتداد النزاع والانهيار الاقتصادي رفعا أعداد المحتاجين إلى المساعدات إلى 23.1 مليون شخص. وفي حين تقتصر قدرة المرافق الصحية التي تعمل بكامل طاقتها على نحو 60% فقط نتيجة نقص الكوادر والمستلزمات والتمويل، يواجه نحو 17.8 مليون شخص صعوبات بالغة في الحصول على الخدمات الطبية.
ويقع العبء الأكبر لهذه الأزمة على الفئات الأكثر هشاشة؛ إذ تشير مؤشرات "يونيسف" إلى وفاة طفل من بين كل 25 طفل يمني قبل سن الخامسة، مع توقعات بظهور 500 ألف حالة سوء تغذية حاد، فضلاً عن وجود 4.5 ملايين طفل خارج النظام التعليمي، ومواجهة ملايين لمخاطر الحماية من الذخائر غير المنفجرة.
وحذرت وزارة الصحة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في بيان، من خطر توقف خدمات صحية حيوية في مدينة تعز، من جراء قرب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود. واتهمت جماعة الحوثيين بمواصلة الحصار، وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية.
وحذرت الوزارة من أن استمرار النقص يهدّد خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة والغسيل الكلوي وحضانات الأطفال، ويعرض حياة المرضى والجرحى والنساء الحوامل وحديثي الولادة لخطر مباشر، كما نبهت إلى أن نفاد الوقود لا يهدد تشغيل المولدات الكهربائية فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى تعطل سيارات الإسعاف، وسلاسل تبريد الأدوية واللقاحات، ما يرفع احتمالات حدوث مضاعفات صحية ووفيات يمكن تفاديها.
وفي ظل الضغط المتزايد على الخدمات الطبية، أطلق أطباء في مستشفى الثورة نداءً عاجلاً للتبرع بالدم، دعوا فيه المواطنين إلى التبرع لتلبية الاحتياجات الطبية الملحة. ويحتاج التعامل مع الإصابات الناجمة عن القصف والاشتباكات إلى سلسلة متكاملة من الخدمات، تبدأ بإسعاف المصابين إلى المستشفيات، مروراً بالفحوص، والعمليات الجراحية، وتوفير الدم، والأدوية، وصولاً إلى الرعاية اللاحقة، وأي نقص في إحدى هذه الحلقات قد يحدّ من قدرة الفرق الطبية على إنقاذ المصابين.
ولا تقف التداعيات عند الجرحى الجدد؛ فمرضى الغسيل الكلوي يحتاجون إلى جلسات منتظمة، ومرضى العناية المركزة يعتمدون على الأجهزة، فيما تتطلب حضانات الأطفال الخدّج بيئة مستقرة من حيث الكهرباء والأوكسجين والمراقبة الطبية. وفي حين يطالب مسؤولو القطاع الصحي بتدخل عاجل، تبقى الأولوية لتأمين الوقود والأدوية والمحاليل والدم ومستلزمات الطوارئ، وضمان وصولها بصورة منتظمة، حتى لا تتحول التحذيرات إلى واقع يهدّد حياة المرضى.
وبالنسبة إلى الكوادر العاملة في المستشفيات، لا تقتصر المعركة اليومية على إنقاذ المصابين، بل تشمل محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات لمرضى ينتظرون العلاج، وأطفال يحتاجون إلى الرعاية، وحالات حرجة لا تملك ترف الانتظار، إذ يعاني القطاع الصحي في تعز منذ سنوات من تراجع الإمكانات التشغيلية، وصعوبات الإمداد، والضغط على المرافق، بالتزامن مع استمرار المواجهات في مناطق متفرقة من المحافظة.
ويعتمد تشغيل الأقسام الحيوية على توافر الوقود والكهرباء والأدوية والمستلزمات الطبية، فيما تتطلب حالات الغسيل الكلوي والعناية المركزة وحضانات الأطفال إمدادات منتظمة لا يمكن تعويضها بسهولة عند انقطاعها، وسط مطالب بتأمين ممرات آمنة للإمدادات، وحماية المرافق الطبية والعاملين والمرضى، وضمان استمرار الرعاية المنقذة للحياة.
العربي الجديد