كهبوب.. هل تُحسم معركة باب المندب من الجبال؟

على امتداد سلسلة جبلية وعرة شمالي مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج جنوبي اليمن، تدور منذ أيام مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، الذين يحاولون التقدم في مرتفعات كهبوب والتباب المحيطة بها قرب باب المندب.

وبحسب مصادر ميدانية تحدثت إلى الجزيرة نت، لم تنجح محاولات الحوثيين حتى إعداد التقرير في إحداث اختراق عسكري أو تغيير خطوط السيطرة في كهبوب، رغم الهجمات المتكررة.

وتشارك ألوية العمالقة ودرع الوطن وتشكيلات من الجيش اليمني ومقاتلون قبليون في صدها، في حين أعلنت قوات درع الوطن -أمس- صد هجوم جديد وإسقاط مسيّرة.

وتتجاوز أهمية المعركة السيطرة على قمم جبلية، فبعد التقدم الحوثي على الساحل الغربي ووصوله إلى المخا وذو باب وجزيرة ميون، ترتبط كهبوب بتثبيت هذه المكاسب وتأمين خطوط الحركة والإمداد، والحزام الدفاعي أمام ساحل لحج والطرق المؤدية إلى عدن.

ولا تعني السيطرة على المرتفعات الإمساك بباب المندب تلقائيا، لكنها تمنح الطرف المتمركز فيها أفضلية في الرصد والإنذار ومراقبة الطرق والمناطق المنخفضة، وتوفر عمقا دفاعيا للوجود الساحلي.

بوابة المضاربة الشمالية

لا تشير تسمية كهبوب ميدانيا إلى قمة منفردة، بل إلى نطاق من القمم والتباب والممرات الممتدة بين الساحل والمرتفعات على تخوم لحج وتعز.

ويقول شيخ منطقة النابيه وكهبوب علي بجاش عواجي للجزيرة نت إن خط المواجهة يمتد من السقيا على الساحل شمالا، مرورا بالخمسة القرون وكهبوب والصنفة والمشرف والأغبرة والمنصورة والبوكرة، وصولا إلى جبلي نمان والعلقمة.

وعلى امتداد هذا الخط تنتشر تشكيلات عسكرية ومقاتلون قبليون لمنع انتقال الضغط الحوثي إلى عمق مرتفعات المضاربة ورأس العارة.

ويضيف عواجي أن قوات العمالقة ودرع الوطن والقبائل ومختلف تشكيلات الجيش تخوض أشرس المعارك للتصدي لمحاولات الحوثيين التمدد في المرتفعات، مؤكدا أن تلك المحاولات لم تنجح حتى وقت تصريحه.

وتوضح هذه الجغرافيا أن كهبوب ليست نقطة اشتباك منفردة، بل هي جزء من خط جبلي يمتد من الساحل نحو تخوم لحج وتعز. ويصفها أبو بكر محمد سالم -وهو أحد وجهاء رأس العارة- بأنها "البوابة الشمالية لمديرية المضاربة ورأس العارة وأحد المداخل الغربية لمحافظة لحج"، مشيرا إلى أن سلسلتها الجبلية تشرف على نطاق باب المندب، وتشكل حزاما طبيعيا أمام ساحل لحج والطرق المؤدية إلى عدن.

ويرى سالم أن بقاء المرتفعات تحت سيطرة القوات الحكومية يحد من قدرة الحوثيين على التمدد جنوبا، ويختصر أهميتها بالقول "من يسيطر على كهبوب يسيطر فعليا على مضيق باب المندب". لكن المقاربة العسكرية تضع أهمية الموقع في إطار أوسع، إذ لا تقتصر على حماية المضاربة وساحل لحج، بل تمتد إلى توفير عمق للمواقع الساحلية التي تقدم إليها الحوثيون أخيرا.

عين فوق الساحل

ويضع الخبير في الشؤون الإستراتيجية والعسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب أهمية كهبوب ضمن بعدين مترابطين:

تثبيت سيطرة الحوثيين على المناطق الساحلية التي تقدموا إليها أخيرا.

وتوسيع هامش الحركة والضغط العسكري نحو الداخل والجنوب.

ويقول الذهب للجزيرة نت "السيطرة على هذه المناطق لها بُعد داخلي يتعلق بتثبيت المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في الساحل جنوبي المخا وباب المندب، والدفاع عنها من خلال السيطرة على مرتفعات حاكمة تشرف بالنيران والمراقبة على جنوب البحر الأحمر وغربي خليج عدن".

وتكمن أهمية المرتفعات عسكريا في كشف الطرق والمناطق المنخفضة أمام الطرف المسيطر، وتعزيز قدرته على مراقبة الحركة وحماية خطوط الإمداد.

ويوضح الذهب أن كهبوب توفر اتجاهين مهمين للإشراف العسكري، أحدهما نحو ذو باب والساحل، والآخر باتجاه المضاربة ورأس العارة والشواطئ المقابلة.

كما تتيح طبيعة السلسلة وارتفاعاتها استخدام بعض مواقعها للرصد والإنذار والاتصالات، وقد تكون مناسبة لوسائط عسكرية أخرى إذا توفرت التجهيزات اللازمة. ويؤكد ذلك أن الحديث يتعلق بالإمكانات التي توفرها طبيعة الأرض، لا بأن هذه المنظومات نُشرت بالفعل في كهبوب.

عمق دفاعي للمكاسب الساحلية

لكن قيمة كهبوب لا تتوقف عند المراقبة، إذ تمنح المرتفعات عمقا دفاعيا للمواقع الساحلية الواقعة خلفها. ويرى الذهب أن السيطرة عليها توفر حماية أفضل للمواقع الجديدة في ذو باب ومحيط باب المندب من الضغط المضاد شرقا وجنوبا، فضلا عن تأمين حركة القوات وطرق إمدادها، في حين يجعل بقاء القوات الساحلية مكشوفة أمام القمم المحيطة أكثر عرضة للرصد والضغط.

ويربط الذهب البعد الآخر للمعركة بتأمين خطوط القوات والإمداد وتوسيع الضغط على المناطق الواقعة جنوبي تعز، قبل أي تحرك أعمق باتجاه لحج. وبحسب تقديره، يحتاج الحوثيون أولا إلى تثبيت مكاسبهم الساحلية وتحويلها من تقدم ميداني إلى وجود عسكري مستقر.

وفي المقابل، يعني بقاء كهبوب خارج سيطرتهم استمرار الضغط على الجناح الشرقي لمواقعهم الساحلية، ومنح القوات الحكومية حاجزا دفاعيا متقدما أمام المضاربة ورأس العارة. وبذلك تصبح المعركة على كهبوب جزءا من صراع أوسع لتأمين المكاسب الساحلية أو إبقائها عرضة للضغط من المرتفعات.

هل تحسم الجبال معركة المضيق؟

ومع ذلك، لا تعني السيطرة على كهبوب وحدها التحكم في باب المندب أو تعطيل الملاحة فيه، فذلك يتطلب السيطرة على الساحل والجزر وفي مقدمتها ميون، إلى جانب قدرات الرصد والإنذار والنيران والوسائط البحرية وخطوط الإمداد.

وتزداد أهمية المضيق لارتباطه بحركة الطاقة العالمية، إذ قدَّرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية متوسط تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبره بنحو 8.1 ملايين برميل يوميا في الربع الثاني من العام الجاري.

ويرى الذهب أن التحكم الفعلي في المضيق يحتاج إلى منظومة متكاملة، لكن الجبال تعزز فاعليتها بتوفير مجال أوسع للمراقبة وعمق لحماية المواقع الساحلية، وجعل الطرق والمناطق المنخفضة أكثر انكشافا. ومن ثم، فإن بقاء كهبوب خارج سيطرة الحوثيين يُبقي مكاسبهم الساحلية تحت ضغط جبهة مفتوحة من الشرق، في حين قد يمنحهم اختراقها عمقا دفاعيا أكبر ويدفع بالضغط جنوبا نحو المضاربة ورأس العارة.

وقد لا تُحسم معركة باب المندب من الجبال وحدها، لكن نتيجة القتال في كهبوب تؤثر في مقدار حماية المواقع الساحلية المحيطة بالمضيق أو انكشافها. فالمرتفعات لا تمنح السيطرة على البحر بذاتها، لكنها تعزز قدرة من يتمركز على الساحل على مراقبته والدفاع عن وجوده.

المصدر: الجزيرة