الحكومة اليمنية ومعادلة الردع ضد الحوثيين: الفرص والإمكانات

دخلت المواجهة في اليمن منعطفاً جديداً وتصعيداً عسكرياً غير مسبوق في السادس من أغسطس/آب الحالي، إثر شنّ جماعة الحوثيين هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد أهداف عسكرية ومدنية في محافظات عدة، أبرزها مأرب وحضرموت، تسببت في سقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح. ومع استمرار الهجمات الحوثية التي شملت أيضاً الساحل الغربي وجبهات تعز والضالع وشبوة، ونوسعها، وجّه مجلس الدفاع اليمني يوم الاثنين الماضي، بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد، وتعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية في مختلف الجبهات، في تطور لافت يرفع مؤشرات التوجه نحو حرب شاملة في اليمن بين قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والحوثيين.

وشدّد المجلس على إبقاء حالة الجاهزية العسكرية والأمنية عند أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر ورفع مستوى حماية المنشآت الحيوية والسيادية والأعيان المدنية. كما وجّه بتكثيف العمل الاستخباري والأمني لملاحقة الخلايا وشبكات التهريب والإمداد والدعم الداخلي للحوثيين، وربط هذه الجهود بمسار قضائي سريع وفعال.

وجاءت توجيهات مجلس الدفاع الوطني متزامنة مع عمليات عسكرية للقوات الحكومية كشف عنها المتحدث باسمها العقيد ماجد النزيلي، الذي أعلن، فجر أول من أمس الثلاثاء، عن تنفيذ 133 عملية عسكرية ضد قدرات جماعة الحوثيين وعناصرها خلال 24 ساعة، استهدفت القوات المسلحة خلالها مصادر التهديد بالراجمات والمدفعية والطيران المسيّر، لافتاً إلى أن العمليات نُفذت بمشاركة وحدات الجيش المتمركزة على خطوط التماس.

وكان النزيلي قد أعلن، الأحد الماضي، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة، استهدفت مواقع ومصادر تهديد تابعة للحوثيين باستخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات، مشيراً إلى أن هذه العمليات أدّت إلى مقتل العشرات من عناصر الجماعة أو إصابتهم، وتدمير عشرات المعدات والآليات العسكرية، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل القتالية.

واللافت في حديث النزيلي هو التوسع الجغرافي للعمليات العسكرية، حيث أوضح أن ضربات القوات الحكومية شملت قطاعات واسعة على امتداد خطوط التماس في محاور تعز، ومأرب، والجوف، ولحج (طور الباحة)، والضالع، والحديدة، وأبين. كما أكد امتلاك القوات المسلحة الجاهزية والقدرة على المبادرة وفرض المعادلة الميدانية، والتصدي لأي مصدر تهديد يستهدف الأعيان المدنية أو مقدرات الشعب اليمني.

ويوم أمس، قال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية المعترف بها، معمر الإرياني، لوكالة فرانس برس، إن الحوثيين يخططون للسيطرة على مناطق ساحلية محاذية لمضيق باب المندب، ما من شأنه أن يهدّد الممر الحيوي. وأوضح الوزير: "معلوماتنا المؤكدة تفيد بأن مليشيا الحوثي تعمل، بتوجيه ودعم من الحرس الثوري الإيراني، على تهيئة الظروف للسيطرة على مضيق باب المندب، عبر التمدّد في الساحل الغربي ومحاولة السيطرة على الجزر اليمنية الاستراتيجية في البحر الأحمر"، متحدثاً عن "تحشيدات عسكرية واستهداف متكرر للموانئ والأرصفة والأعيان المدنية والسفن والقدرات البحرية الحكومية". وبدوره، أكد اللواء صادق دويد، المتحدث باسم "قوات المقاومة الوطنية" التابعة للحكومة الشرعية، والمنتشرة في الساحل الغربي، للوكالة، أن الحوثيين "يعملون جاهدين لموطئ قدم في باب المندب"، مضيفاً أن هجماتهم المتجدّدة تهدف "إلى الوجود على ضفاف باب المندب وتحويله الى وضع أشبه بالوضع في مضيق هرمز". وأكدت ثلاثة مصادر عسكرية حوثية للوكالة أن مقاتلي الجماعة "يستعدون لتنفيذ عملية عسكرية كبرى للسيطرة على المناطق التي تخضع للقوات الحكومية في الساحل الغربي والممتدة من الخوخة مروراً بالمخا ووصولاً إلى باب المندب"، والواقعة جنوب الحديدة.


الحكومة اليمنية تغيّر قواعد الاشتباك

وبحسب مراقبين، فإن إعلان القوات المسلحة اليمنية والتشكيلات العسكرية المساندة عن تنفيذ مئات الضربات والعمليات العسكرية في غضون أيام قليلة يمثل نقلة في قواعد الاشتباك على الأرض، من شأنها فرض معادلة ردع جديدة ظلّت غائبة خلال السنوات الماضية. وتعدّ هذه النقلة لافتة، لا سيما في ظلّ تطور القدرات العسكرية التي باتت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تمتلكها، وكسرها للتفوق الحوثي في مجال الطيران المسيّر، بعد تعزيز القوات الجوية للجيش اليمني بطائرات حربية وأسراب متطورة من الطائرات المسيّرة الاستطلاعية والهجومية والانتحارية، فضلاً عن الكشف عن وجود لواءين عسكريين خاصين بقيادة وتوجيه الطائرات المسيّرة.

ولا يقتصر هذا التحول على تكثيف النيران التقليدية، بل يشمل توجهاً متزايداً نحو الاعتماد على سلاح الجو المسيّر والعمليات في المناطق المفتوحة كجبهات مأرب والجوف والساحل الغربي، حيث تساهم الطائرات المسيّرة، إلى جانب الإسناد المدفعي والراجمات، في استهداف منصات الإطلاق ومخابئ التحصينات بدقة عالية، وتقليل الخسائر البشرية في صفوف القوات الحكومية. ويمثل هذا التوجه تحولاً تكتيكياً نحو الانتقال من ردّة الفعل الدفاعية إلى الضربات الاستباقية التي تستهدف التعزيزات وخطوط الإمداد العسكري قبل وصولها إلى خطوط التماس.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية عاصم المجاهد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن توجيهات مجلس الدفاع الوطني بتوسيع عمليات الرد على الحوثيين تمثل "انتقالاً من مرحلة ردة الفعل المحدودة والمحسوبة إلى محاولة استعادة زمام المبادرة". ويشير إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة خلال الفترة الأخيرة يعد جزءاً أساسياً من "معركة استنزاف الحوثيين وإنهاكهم"، موضحاً أن نجاعة هذه الضربات لا تقتصر فقط على ما تُلحقه من خسائر في الأرواح والعتاد، بل تكمن في "قدرتها على إرباك دفاعات الحوثيين، وبثّ الذعر في نفوس قواتهم وحاضنتهم، وتعطيل التحشيد، وجعل القيادة والسيطرة أكثر صعوبة، ومنع الجماعة من حشد قوتها في المكان والوقت اللذين تختارهما".

في المقابل، يحذر المجاهد من أهمية "ألا نبالغ في تقييم قدرات المسيّرات التي ظهرت حتى الآن"، موضحاً أن هذه المسيّرات مزودة بتسليح خفيف، ويتركز أقصى تأثيرها العملي في استهداف تجمعات الحوثيين، العربات، الآليات، والمواقع القريبة من الخطوط الأمامية. وبناء عليه، وفق رأيه، فإنها تظل مفيدة في معركة الاستنزاف اليومية، لكنها "ليست الأداة التي ستقوض القدرات النوعية لجماعة الحوثيين من مخازن الأسلحة والصواريخ أو منصات الإطلاق الموجودة في عمق مناطق سيطرة الحوثيين".

ويرى الباحث العسكري أنه إذا كانت الحكومة اليمنية تريد فعلاً تنفيذ قرار توسيع العمليات، "فإن عليها الانتقال إلى مرحلة أعمق من الاستهداف تشمل البنية العسكرية التي يعتمد عليها الحوثيون في إدارة المعركة والقدرات النوعية من مخازن أسلحة وصواريخ ومنصات إطلاق". هذا الأمر يستدعي، بحسب المجاهد، "البدء في تشغيل المسيّرات القاصفة بعيدة المدى، وتحديداً منظومات عيبان ونقم التي يصل مداها إلى نحو 1500 كيلومتر وتحمل رأساً حربياً يزن قرابة 40 كيلوغراماً، الأمر الذي سيمنح القوات الحكومية قدرة حقيقية على الوصول إلى العمق الحوثي بدلاً من الاكتفاء باستهداف الخطوط الأمامية".

أما عن ترجمة توجيهات توسيع عمليات الرد عسكرياً، فيؤكد المجاهد أنها تحتاج إلى "الانتقال من الضربات المنفردة إلى بناء دورة عملياتية متكاملة تجمع الاستخبارات والاستطلاع والطيران والقوات البرّية ضمن غرفة عمليات موحدة، بحيث تتحول المعلومات إلى أهداف في الوقت الفعلي، والضربات إلى نتائج ميدانية مؤثرة تنتهي بتقييم نتائج الاستهداف ثم إعادة توجيه الجهد نحو هدف آخر، على أن يكون الهدف واضحاً ومتمثلاً في إضعاف قدرة الحوثيين على المبادرة وقطع قدرتهم على نقل التعزيزات وإعادة بناء مخزونهم العسكري".

وعن خريطة الجبهات، يوضح المجاهد أن "جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي لكل منها أهمية مختلفة في هذه المرحلة ولكل منها وظيفتها العسكرية؛ فمأرب تمثل خط الدفاع الأهم في مواجهة أي محاولة حوثية للتوسع شرقاً وتعطيل قدرة الجماعة على الوصول إلى حقول النفط والغاز، وتعز تمثل جبهة استنزاف مهمة بسبب طبيعتها الجغرافية والثقل السكاني والعسكري، بينما يحمل الساحل الغربي أهمية بالغة لارتباطه بقدرات الحوثيين البحرية والصاروخية وبأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية".

ويختم المجاهد بالتأكيد على أنه "لا يمكن للضربات وحدها حسم المعركة أو تقويض ترسانة الحوثيين بالكامل، فقيمتها الحقيقية تكمن في تعطيل الإمداد والقيادة والسيطرة ومنع الجماعة من إعادة بناء قدراتها". وعليه، فإن نجاح قرار الحكومة اليمنية توسيع العمليات لن يقاس بحجم الضربات وعددها، وإنما بـ"قدرة القوات الحكومية على نقل المعركة إلى مستوى يفقد الحوثيين القدرة على المبادرة"، وفق اعتباره، لافتاً إلى أن الجماعة اعتادت خلال السنوات الماضية أن تختار توقيت التصعيد ومكانه بينما تكتفي القوات الحكومية غالباً بالرد، وأن "تغيير هذه المعادلة هو الاختبار الحقيقي أمام القيادة العسكرية في المرحلة المقبلة".

بدوره، يرى المحلل السياسي رماح الجبري، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن التوجيهات الصادرة عن مجلس الدفاع الوطني تؤكد أن "مرحلة ضبط النفس التي التزمت بها الحكومة خلال الفترة الماضية وصلت إلى نهايتها". ويشير إلى أن القيادة السياسية منحت مساحة واسعة للجهود والوساطات الدولية، غير أنها لم تنجح في وقف التصعيد الحوثي أو الحد من الاعتداءات المتكررة على المدنيين والأعيان المدنية".

ويوضح الجبري أن "المؤشرات الحالية تؤكد أن فرص الحل السياسي تراجعت بصورة كبيرة، وأن الخيار العسكري بات مطروحاً بقوة أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً بعد تعثر الجهود الدولية في إقناع الحوثيين بخفض التصعيد والانخراط الجاد في مسار السلام". وبناء عليه، يشدّد المحلل السياسي على أن التطور النوعي في قدرات القوات المسلحة اليمنية وحصولها على أسلحة وقدرات متطورة، بما في ذلك الطيران المسيّر ووسائل الاستطلاع والاستهداف، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعزيز لقدرات الردع، بل يشير إلى استعداد متزايد للتعامل مع أي تصعيد عسكري محتمل، ورفع جاهزية القوات لأي مرحلة مقبلة إذا استمرت المليشيا الحوثية في نهجها الحالي"، وفق تعبيره.

العربي الجديد