تقرير: باب المندب يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية
حذّر تقرير نشره موقع Horn Review الإثيوبي، ومقره أديس أبابا، من أن مضيق باب المندب بات يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان الممر البحري الحيوي قد يتحول إلى "مضيق هرمز جديد"، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتلويح طهران باستخدام أوراق ضغط متعددة تتجاوز الخليج العربي.
وجاءت هذه التحذيرات عقب تقرير لوكالة تسنيم الإيرانية المقربة من الحرس الثوري، تحدث عن تعليق طهران مفاوضاتها غير المباشرة مع الولايات المتحدة وإبدائها استعداداً لإغلاق مضيق هرمز وفتح جبهات ضغط أخرى، مع الإشارة صراحة إلى مضيق باب المندب.
وبينما ربطت إيران هذه التهديدات باستمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان، يرى التقرير أن المسألة تتجاوز الردود السياسية الآنية إلى إدراج باب المندب ضمن منظومة التهديدات الاستراتيجية الإيرانية.
شريان عالمي تحت التهديد
يُعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط المحيط الهندي والبحر الأحمر ويبلغ عرضه نحو 29 كيلومتراً في أضيق نقاطه، وتعبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية.
وأشار التقرير إلى أن السعودية سعت خلال السنوات الماضية إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز عبر توسيع قدرات خط أنابيب الشرق–الغرب الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، إلا أن ذلك لم يلغِ المخاطر، بل نقل جزءاً منها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأكد أن أي اضطراب واسع أو حتى محدود في حركة الملاحة عبر المضيق سيدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني ارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، وانعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
باب المندب ضمن شبكة الصراع الإقليمي
ويربط التقرير التهديدات المتعلقة بالمضيق بشبكة الصراعات المتشابكة في المنطقة، بما في ذلك الملف النووي الإيراني، وعلاقات طهران بحلفائها الإقليميين، والمواجهات المستمرة مع إسرائيل والولايات المتحدة.
ورغم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش بين إسرائيل ولبنان خلال عام 2026 بوساطة أمريكية، فإن استمرار التوترات والاشتباكات المتفرقة أبقى احتمالات التصعيد قائمة.
وتصر إيران، بحسب التقرير، على ربط أي تسوية شاملة بخفض التصعيد في مختلف الجبهات الإقليمية، بما فيها لبنان، بينما تسعى واشنطن إلى الفصل بين الملفات الإقليمية والمفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة.
ويؤكد التقرير أن جماعة الحوثي في اليمن تمثل الأداة الرئيسية التي تعتمد عليها إيران للضغط على باب المندب، موفّرة لطهران هامشاً من الإنكار السياسي المباشر.
فالجماعة، التي سبق أن عطّلت حركة الملاحة في البحر الأحمر خلال فترات مختلفة، تمتلك قدرات عسكرية تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، إضافة إلى صواريخ باليستية مضادة للسفن تستند إلى تقنيات وتصاميم إيرانية.
وأشار التقرير إلى أن مسؤولين إيرانيين بارزين، من بينهم مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ربطوا بشكل واضح بين التوترات في لبنان وإمكانية استخدام أوراق الضغط في باب المندب، معتبرين أن مختلف جبهات ما يسمى بـ"محور المقاومة" تعمل ضمن استراتيجية موحدة.
ورغم أن تحركات الحوثيين حتى الآن اتسمت بالتصعيد المحسوب، عبر استهداف الملاحة بشكل انتقائي وإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، فإن التقرير يرى أن البنية التحتية اللازمة لأي تصعيد أوسع ما تزال قائمة، وأن الجماعة أظهرت قدرة على مواصلة الضغط رغم وجود تحالفات بحرية دولية في المنطقة.
قلق خليجي ودولي متزايد
ويحذر التقرير من أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، تنظر بقلق بالغ إلى أي تهديد لمضيق باب المندب، خصوصاً أنها تعتمد على طرق البحر الأحمر كبديل استراتيجي في حال تعرض مضيق هرمز لقيود أو اضطرابات.
وأضاف أن أي أزمة متزامنة في هرمز وباب المندب قد تؤدي إلى تعطيل جزء كبير من تدفقات النفط والغاز العالمية، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات التضخم واضطراب سلاسل التوريد وتباطؤ النمو الاقتصادي.
ويرى التقرير أن دول القرن الأفريقي ستكون من أكثر المتضررين من أي إغلاق للمضيق، إذ تعتمد اقتصادات جيبوتي وإريتريا والصومال بشكل كبير على الموانئ والتجارة البحرية لتأمين احتياجاتها الأساسية من الوقود والغذاء والدواء.
كما أن إثيوبيا، التي تعتمد على ميناء جيبوتي في أكثر من 95 في المائة من تجارتها الخارجية، ستواجه تداعيات اقتصادية مباشرة في حال تعطلت الملاحة عبر باب المندب.
وبحسب التقرير، فإن تزامن الاضطرابات في هرمز وباب المندب قد يؤدي إلى أزمات متشابكة في الطاقة والأمن الغذائي والتجارة داخل منطقة القرن الأفريقي، بما يفاقم هشاشة اقتصاداتها ويزيد من احتمالات التوترات المحلية والإقليمية.
ويخلص التقرير إلى أن اتفاقات التهدئة الأخيرة في لبنان قد تخفف مؤقتاً من احتمالات التصعيد، إلا أن هشاشتها واستمرار ربط إيران بين مختلف الجبهات الإقليمية يجعل من باب المندب نقطة توتر قائمة.
ويؤكد أن المضيق لا يزال عرضة لمخاطر كبيرة، وأن أي انهيار جديد لمسارات التهدئة أو عودة المواجهات الإقليمية الواسعة قد يدفع طهران إلى تفعيل أدوات الضغط المرتبطة بالممرات البحرية، وفي مقدمتها جماعة الحوثي.
واختتم التقرير بالتأكيد أن مستقبل باب المندب سيظل مرتبطاً بمصير الملفات الإقليمية المتشابكة، من البرنامج النووي الإيراني إلى الصراع في لبنان والحروب بالوكالة، محذراً من أن الفشل في احتواء هذه الأزمات قد يجعل المضيق أحد أخطر بؤر التوتر العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة والتجارة الدولية واستقرار منطقة القرن الأفريقي.