استنفار حكومي يمني في مواجهة الحوثيين وتحركات لحماية الملاحة

صعّدت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، يوم الاثنين، خطواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في مواجهة جماعة الحوثي مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء العمل على استئناف تصدير النفط، والدعوة إلى تعبئة وطنية خلف القوات الحكومية، بالتزامن مع إقرار مجلس الدفاع الوطني إجراءات لتعزيز الجاهزية العسكرية والأمنية. وفي موازاة ذلك، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية بدء تنفيذ تدابير عملياتية لحماية سفنه في مضيق باب المندب، متوعداً بالرد على أي تهديدات للملاحة، وذلك بعد أن أعلن الحوثيون حظر الملاحة المرتبطة بالسعودية، في مؤشر إلى تصاعد جديد قد ينعكس على أمن البحر الأحمر ومسار التسوية في اليمن.

ودعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي اليوم الاثنين إلى "التحام وطني شامل خلف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة جماعة الحوثيين"، معلناً في الوقت نفسه بدء العمل على استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته إلى دفع الرواتب وتحسين الخدمات العامة. وقال العليمي، في بيان موجه إلى اليمنيين، إن "الوقت قد حان لإنهاء المعاناة التي صنعتها المليشيات الحوثية"، داعياً مختلف القوى السياسية والقبلية والمجتمعية إلى الالتفاف حول مشروع الدولة والجمهورية، ودعم القوات الحكومية في ما وصفها بـ"معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب".

وأضاف أن الحكومة ستعمل على استئناف تصدير النفط "بكل الوسائل ابتداءً من اليوم"، مشيراً إلى أن عائدات التصدير ستُخصص للوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، وفي مقدمتها صرف الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. واتهم العليمي جماعة الحوثيين باستغلال معاناة اليمنيين لخدمة "أجندة النظام الإيراني"، قائلاً إن السنوات الماضية أثبتت أن الأزمة التي تعيشها البلاد "لم تكن قدراً محتوماً، وإنما نتيجة مباشرة لانقلاب المليشيات الحوثية". كذلك دعا السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة إلى عدم الانخراط في ما وصفه بـ"خطابات التحريض"، وحثهم على دعم مشروع الدولة.

وفي بيانه، قال رئيس مجلس القيادة إن الحكومة لم تتوقف عن السعي إلى السلام وتخفيف معاناة المواطنين، وإنها تعاملت "بإيجابية" مع الجهود الإقليمية والدولية، بما في ذلك تشغيل مطار صنعاء عبر الناقل الوطني، لكنه اتهم الحوثيين برفض المبادرات المطروحة والسعي إلى فرض رحلات إيرانية "خارج سيادة الدولة". كما أشار إلى أن الحكومة التزمت خلال الفترة الماضية "أعلى درجات ضبط النفس" عقب الهجمات التي استهدفت منشآت تصدير النفط، مؤكداً أن السعودية استجابت لطلب دعم عاجل للموازنة العامة للدولة بعد توقف الصادرات النفطية.

اجتماع طارئ في الرياض

ويأتي خطاب العليمي بعد ساعات من اجتماع طارئ لمجلس الدفاع الوطني في الرياض، أقر خلاله حزمة إجراءات عسكرية وأمنية واقتصادية لدعم جاهزية مؤسسات الدولة، في ظل تصاعد التوتر بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين على خلفية أزمة الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء، وتبادل الاتهامات بشأن مسؤولية تعثر جهود السلام. وترأس العليمي الاجتماع بحضور أعضاء المجلس وكبار المسؤولين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث ناقش المجتمعون جهوزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية للتعامل مع ما اعتبروه تصعيداً من جانب الحوثيين، إضافة إلى حشد الإمكانات لمعركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، وفق ما أوردته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ).

وشدّد الاجتماع على "التزام الحكومة بأقصى درجات ضبط النفس وقواعد القانون الدولي، مع الحرص على تجنيب المدنيين أي تبعات إضافية"، معلناً إقرار تدابير إضافية على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإدارية لتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة في مواجهة مختلف السيناريوهات. وفي الجانب الاقتصادي، أعاد المجلس التأكيد على أهمية استئناف تصدير النفط، الذي توقف منذ تعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات بطائرات مسيّرة تبنتها جماعة الحوثيين أواخر عام 2022، معتبراً أن عائدات النفط تمثل مورداً أساسياً لتمويل الرواتب والخدمات العامة.

في المقابل، صعّد رئيس المجلس السياسي الأعلى التابع لجماعة الحوثي، مهدي المشاط، من لهجته تجاه السعودية، معتبراً أن "سلوك النظام السعودي خلال الفترة الماضية وإصراره على حصار شعبنا أثبت أنه لا نية لديه في إحلال السلام". وأضاف، في تصريحات بثتها قناة "المسيرة" التابعة للجماعة، أن الحوثيين يحتفظون بـ"الحق الكامل في اتخاذ ما يرونه من إجراءات تنهي الحصار"، بعد "استنفاد كل جهود السلام".

واتهم المشاط السعودية بالوقوف وراء ما وصفه بـ"الحصار" المستمر منذ سنوات، مشيراً إلى أن "العدوان على مطار صنعاء الدولي تصرف أهوج ومدان وسيدفع العدو السعودي ثمنه"، في إشارة إلى الضربات التي استهدفت المطار أخيراً، عقب أزمة الطائرة الإيرانية التابعة لشركة "ماهان إير" والتصعيد المتبادل بشأن الرحلات الجوية إلى صنعاء.

تدابير لحماية السفن في باب المندب

إلى ذلك، قال التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، الاثنين، إنه بدأ تنفيذ إجراءات عملياتية لحماية السفن التجارية التابعة له في مضيق باب المندب، متوعداً بالرد بحزم وقوة على أي تهديدات تستهدف الملاحة البحرية، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الممرات البحرية الحيوية في المنطقة. وأوضح المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، في بيان، أن قيادة القوات المشتركة تتخذ الإجراءات العملياتية الحازمة والصارمة كافة لحماية السفن البحرية في مضيق باب المندب وتنفّذها، بما يتوافق مع القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

وأضاف المالكي أن التحالف شرع بالفعل في تنفيذ إجراءات لحماية سفنه أثناء عبورها المضيق، مؤكداً أن أي تهديدات تستهدف السفن العابرة ستواجه "بكل حزم وقوة"، ومعتبراً أن استهداف الملاحة البحرية يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، ويُصنّف ضمن أعمال القرصنة البحرية. وفي ما يتعلق بالاتهامات الحوثية بشأن فرض حصار على المناطق الخاضعة لسيطرتها، قال المالكي إن الحديث عن إغلاق الموانئ والمطارات اليمنية يندرج ضمن "المغالطات والتصعيد الحوثي" ضد الحكومة اليمنية ودول الجوار، مشيراً إلى دخول أكثر من 300 سفينة تجارية إلى موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى خلال النصف الأول من العام الجاري، محملة بالمواد الغذائية والوقود ومواد البناء.

كما حمّل جماعة الحوثيين مسؤولية إغلاق مطار صنعاء الدولي وتدمير طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، متهماً الجماعة برفض المبادرات المطروحة لاستئناف الرحلات الجوية من المطار وإليه. ويأتي بيان التحالف بعد أيام من تصاعد التوتر بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين على خلفية حركة الطيران والملاحة، وسط تحذيرات متبادلة بشأن أمن الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وكانت جماعةالحوثيين قد أعلنت، اليوم الاثنين، فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، مؤكدة أن القرار يدخل حيز التنفيذ فوراً، وذلك في أحدث تصعيد بين الجماعة والرياض على خلفية التوترات الأخيرة المرتبطة بحركة الطيران إلى مطار صنعاء. وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، في بيان صادر عما تسمى "القوات المسلحة اليمنية"، إن الجماعة قررت "حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي وفق معادلة الحصار بالحصار"، مضيفاً أن القرار جاء رداً على ما وصفه بـ"الحصار المستمر على اليمن منذ نحو 12 عاماً"، وما اعتبرته الجماعة "استهدافاً لمطار صنعاء الدولي".

وأكد البيان أن الجماعة في "حال جهوزية كاملة لكافة الخيارات"، محذراً من أن أي "تصعيد شامل" من جانب السعودية سيُقابل بـ"تصعيد شامل وقاسٍ". كما دعا البيان أنصار الجماعة إلى مواصلة "التعبئة العامة والنفير العام" والاستعداد لما وصفه بـ"جميع السيناريوهات والتطورات". 

ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وشحنات الطاقة. وشهد الممر خلال السنوات الأخيرة هجمات وتهديدات متكررة أثرت في حركة الشحن أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين، ما دفع أطرافاً إقليمية ودولية إلى تعزيز إجراءات حماية الملاحة فيه.

وتصاعدت خلال الأشهر الأخيرة حدة الخطاب بين التحالف والحوثيين بشأن أمن البحر الأحمر، في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة جهودها لخفض التصعيد والحفاظ على المكاسب التي تحققت منذ الهدنة الأممية المعلنة عام 2022، وسط مخاوف من انعكاسات أي مواجهة جديدة على الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن والمنطقة.

السعودية تدين هجمات الحوثيين وتهديد الملاحة

من جهتها، دانت وزارة الخارجية السعودية ما وصفته بـ"الاعتداءات الإرهابية" التي نفّذتها جماعة الحوثيين ضد الشعب اليمني، متهمةً إياها بفرض الحصار عليه وتهديد الملاحة في البحر الأحمر. وأكدت أن المملكة عملت خلال السنوات الماضية مع الحكومة اليمنية على التخفيف من معاناة اليمنيين، عبر دعم المشاريع التنموية وموازنة الحكومة، وتوفير المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء، وتأمين الموانئ، مشيرة إلى استمرار تشغيل أكثر من 300 سفينة محملة بالمواد الغذائية والصناعية والوقود ومواد البناء منذ النصف الأول من عام 2023، رغم ما قالت إنها محاولات حوثية لإطالة أمد سيطرتها.

وذكرت الوزارة أن الحوثيين استهدفوا منشأةَ تصدير النفط في جنوب اليمن في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022، ما أدى إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثّل نحو 60% من إيرادات الحكومة، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على دفع الرواتب والخدمات العامة. كما اتهمت الجماعة باستهداف سفينة تحمل مشتقات نفطية مخصصة للشعب اليمني، ومصادرة أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية بعد نقلها الحجّاج من جدة إلى صنعاء، واستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، ورفض المبادرات الرامية إلى إعادة تسيير الرحلات من مطار صنعاء. وشددت الخارجية السعودية على أن موقف المملكة يهدف إلى إحلال السلام في اليمن، مطالبةً المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرارين 2216 و2722، لحماية الملاحة البحرية وحقوقها في البحر الأحمر، ومؤكدة استمرار دعمها الشعب اليمني وحكومته الشرعية.


العربي الجديد