قطار الإمام ولعبة الحوثي
لا يوجد أي أدلة مادية على أن الأئمة، أجداد الحوثة، كانوا مواكبين لتطورات العالم، غير الميكرفون والمسجل والقطار. بالمقابل، هناك أدلة على ابتكار الإمام يحيى نظرية سياسية مهمة في السلطة توظف التكنولوجيا البسيطة لترسيخ دعائم الحكم، وهي نظرية الشعوذة التقنية.
في الحقيقة، أدوات بسيطة، مثل المسجل والميكرفون، وبعض التقنيات الأجنبية، كان يستخدمها الإمام للتأثير على وعي الناس، وغرس أفكار خرافية في رؤوس الغارقين بالجهل والفقر. فمع إضفاء ميزات دينية على شخصية الإمام، وضع مكبر الصوت، الذي لا يعرفه البسطاء في ذلك الوقت، للحديث إلى الجياع ليلًا، وإرعابهم بأن الصوت صوت جني يقوم بخدمة أمير المؤمنين.
ورغم الظهور الشكلي الرافض للانفتاح مع العالم، وإظهار القوة أمام المخدوعين بمواجهة الكفرة "قوى الاستكبار"، إلا أن الحقيقة معاكسة تمامًا؛ كان للأجانب مصالح عظيمة من سلطة الإمام، الذي كان يتعاون مع الشيطان نفسه، ليستمر مسلطًا على رقاب اليمنيين والنظر إليهم كعبيد.
أحاول العودة إلى الإنتاج المصري المرئي، لآخذ فكرة عن العلاقات الخارجية للإمام، وآخر ما شاهدته كان فيلمًا وثائقيًا وردت فيه هذه الفقرة: «ذهبت مصر لتنتشل اليمن من كبوته، فإذا بمسرح الأحداث يتحول من مجرد تثبيت أركان الثورة الناشئة، إلى حرب مترامية الأطراف، واجهت فيها مصر، الإمبراطورية البريطانية، جيشها واستخباراتها، وصادفت إسرائيل موسادها وجواسيسها، ووجدت نفسها وجهًا لوجه مع فرنسا، بقواتها المرتزقة التي لملمتها من وسط أفريقيا وشحنتها إلى اليمن».
ما يحدث الآن هو نسخة محدثة للإمامة بشكلها الحوثي..
عبده بدر الحوثي مستعد لعناق نتنياهو، فبمجرد اقتحامهم للمخا ووضع موطئ قدم على باب المندب، لم يتورعوا عن التواصل مع الأمريكيين والصهاينة لتطمينهم بأنهم لن يستهدفوا سفنهم التجارية ولا بوارجهم الحربية.. العلاقة الحميمية مع أجانب قامت المليشيا أصلًا على شعار العداء لهم، مقابل مساعدته لإحكام قبضته على رقاب اليمنيين، وتعبئة رؤوسهم بالخرافات الممزوجة بقداسته كآدمي من عائلة نزلت إلى الأرض بقرطاس.
الفارق بين الحوثة وأجدادهم الإمامين، هو الاستفادة من التطورات في بعض تكنولوجيا التعبئة: توظيف الإعلام لغرس الفكرة من خلال الزوامل والمحاضرات السمجة، إذاعات، قنوات، مناهج، ملازم، وشركات اتصال..
في الفيلم السينمائي المصري، "ثورة اليمن"، والذي أُنتج سنة 1966، يظهر مجموعة من الأعيان في جلسة مقيل بقصر الإمام، يستمعون لصوت ينبعث من داخل مسجل، يتحدث عن عظمة الإمام ومكانته. أحد الحاضرين يشرد ويتخيل نفسه أنه يطير في ظل الإمام، يستعيد وعيه ويطلب من الإمام أن يمنحه قطعة من الجنة مقابل ريالين.
قصة المسجل، ونظرة الإمام لهذه الآلة المعجزة، ذكرها الرحالة الألماني، هانز هولفيرتز، في كتاب "اليمن من الباب الخلفي"، إذ روى كيف قبض عليه عساكر الإمام، واقتادوه للقصر، توجسًا من المسجل، وظنًا بأنه جهاز بإمكان الأجانب أن يتجسسوا من خلاله على منجزات الإمام ومشاريعه الخارقة لتجويع اليمنيين..
دخل الرحالة الألماني القصر، وجلس يشرح للإمام كيف يعمل المسجل، فسجل الإمام صوته الشجي على الشريط.. وظل مندهشًا من هذه الآلة الغريبة التي تردد صوته..
كتب الرحالة الأجانب، والمؤرخين اليمنيين، تذكر الكثير من تفاصيل نظر الإمام للتقنية البسيطة، وسعيه الدؤوب لتوظيفها لتكريس صورة خارقة عن شخصيته في رؤوس الناس..
من بينها القطار..
فاتنا القطار من زمان، فلم يره اليمنيون أصلًا، رغم أن العثمانيين كانوا قد بدؤوا بغرس قوائم حديدية في مسار المشروع، وبمجرد خروجهم امتلك الإمام قطارًا، لكنه لعبة بسيطة، كانت تأخذ منه وقتًا طويلًا وتسلّيه..
الفيلم السينمائي المصري، وضع مسارًا للعبة، لا تختلف كثيرًا عن التفاصيل التي أوردها الرحالة الأجانب، وتحديدًا عندما يدخل قصر الإمام في حالة طوارئ عندما تتعطل اللعبة المفضلة ليحيى حميد..
عجز المشعوذ عن إصلاح العطل.. وفي الفيلم المصري، من أصلح القطار، هو اليمني الذي درس في مصر وعاد ليخدم بلده.
أما عند الرحالة، فقد اكتشف أحدهم أن بطارية اللعبة خلصت، فركب بطاريات جديدة واستأنفت اللعبة العمل.. ومن فرحة الإمام، عرض على الأجنبي أن يكون أحد مقربيه..
تُرى، ما هي اللعبة التي حصل عليها عبده بدر الحوثي، في 21 سبتمبر 2014؟ ومتى ستنتهي صلاحيتها؟
المصدر: يمن شباب نت