قرية الحنان اليمنية... أساطير تدافع عن لعنة الجغرافيا والعزلة
اندثر ماضي قرية الحنان في تعز، وغدا المكان كأنه سقط خارج حسابات الزمن. أبواب مشرعة على المجهول وسقوف تهدمت عبر السنين وجدران عارية لا تلامسها سوى الرياح المحمّلة بالغبار بعدما رحل عنها قاطنوها وخلّفوا وراءهم وحشة وصمتاً مريباً.
على قمة جبلية وعرة تبعد نحو 75 كيلومتراً جنوب مدينة تعز اليمنية، تقف قرية مهجورة ترثي ماضياً يعج بالحياة. بين أحضان الطبيعة البكر كانت هذه البقعة تُعرف باسم قرية الحنان وتنبض بضحكات الأطفال وتتردد فيها أغاني الراعيات ومعاول الفلاحين.
من الناحية الجغرافية والإدارية تتبع قرية الحنان لمديرية الشمايتين وتقع في جوار متنزه السكون الشهير القريب من مدينة التربة. ورغم أنها لا تبعد سوى كيلومترين عن خط الإسفلت الرئيسي، عبر مسالك صخرية وعرة، فهي تربض مباشرة على حافة صخرية شاهقة تطل بوضوح على مديرية المقاطرة وقلعتها التاريخية، ما يجعل معظم المسافرين يربطونها بالمقاطرة وجغرافيتها.
تبدو القرية كأنها معلّقة بطريقة هندسية ساحرة على حافة منحدر، وتشرف منازلها الحجرية القديمة على منخفضات سحيقة، وهي تضم بيوتاً قديمة متلاصقة في نسيج عمراني مترابط على طول حافة الجبل، وتبدو حالياً كأنها أطلال تاريخية تحرس أعماق الوادي. وبعدما تحوّل نهارها إلى صمت وليلها إلى وحشة، حل اسم قرية الجن على القرية بسبب الوحشة التي تلف أرجاءها، وباتت مادة خصبة للمخيلة الشعبية التي تروي قصصاً عنها تخلط الواقع بأسطورة تاريخ إنساني حيّ اندثرت معالمه، وحاضر تحوّل فيه المكان إلى أطلال تُثير الفضول والرهبة.
على امتداد الطرقات المتاخمة للقرية، لا يزال صوت الماضي يتردد في أحاديث الرعاة وعابري السبيل في أسواق منطقة الحجرية، حيث تُحكى قصص بلمسات من ماورائيات عن أنوار مجهولة تومض بين الحجارة فور هبوط الليل، وأصوات وهمسات تُحاكي غائبين رحلوا منذ زمن، حتى أن من يتغلغل بين أطلال القرية يروي تجارب عن قشعريرة مفاجئة أو تعثر غير مبرر، كأن يداً خفية تمنع الغرباء من القدوم.
وليست هذه المشاهدات سوى رأس الجليد لما تختزنه الذاكرة الجماعية من أساطير. ومن بين الحكايات المتداولة أن صراعاً نشب قديماً بين الأهالي وسكان غير مرئيين من الجن يستوطنون الكهوف المحيطة، وانتهى بانتصار الجن وإجبار البشر على إخلاء منازلهم إلى الأبد. كما يتناقل زوار حكايات عن سماع أصوات أنين تتسلل من البيوت المهجورة كلما هبت الرياح، وهو ما يُعتقد بأنه أصل تسمية الحنان، في إشارة إلى صوت حنين الرياح والمياه.
إلى ذلك، يروي كبار السن أن المنازل تضم سراديب ومخازن سرية حُفرت في الصخر لحفظ الحبوب والمياه، ما غذى شائعات تزعم وجود حرس من الجن يمنعون الاقتراب من ثروات دفينة.
وبعيداً عن الأساطير، يدرك متابعون أن السكان الذين هجروا القرية لم يفعلوا ذلك إلا تحت وطأة لعنة الجغرافية ومرارة العزلة. تحصنت القرية فوق جبل مرتفع مجرد من أدنى مقومات العيش، حيث كان شريان الحياة يتلخص في رحلة شقاء يخوضها أطفال ونساء يومياً لجلب الماء عبر مسالك خطرة. ومع انعدام الطرقات والخدمات من كهرباء ومدارس ونقاط طبية، لم تملك الأجيال الشابة خياراً سوى إعلان الاستسلام، فبدأت موجات الهجرة نحو مدينة تعز أو رحلات الاغتراب، حتى هُجر آخر بيت فيها، وتحولت الحنان إلى أطلال هزمتها قسوة التضاريس وخذلها نسيان التنمية.
يقول الشاب شهاب الهويش، أحد أبناء المنطقة، لـ"العربي الجديد": "لم يخرج أجدادنا وآباؤنا من قرية الحنان بسبب الجن كما يُشاع في الحكايات الشعبية، بل بسبب قسوة الحياة ووعورة الجبل. كانت عملية نقل جرة ماء واحدة أو إسعاف مريض تتطلب جهداً شاقاً. الهجرة كانت فراراً منطقياً نحو الخدمات والتعليم في المدينة ومنطقة التربة، أما قصص العفاريت فمجرد نتاج للوحشة التي خيّمت على المكان بعدما خلا من أهله".
ويتضح أن هذه الروايات الماورائية ليست خرافات مجردة، بل حيلة ذكية يمارسها العقل الجماعي، فالوجدان الإنساني يرفض التسليم بموت المكان وانمحاء أثره، فيسارع إلى ملء الفراغ بالأرواح. وهنا تمارس الأسطورة دور الآلية الدفاعية التي يُبرر بها المجتمع حادثة الهجران المأساوية، وتوجد بالتالي هالة من الغموض حول القرية لتتحوّل إلى صرخة تحذر الأحياء وتمنعهم من العبث بجرح المكان.
اليوم، تبدلت النظرة إلى المكان تدريجياً مع الحركة السياحية المجاورة. ويتحدث عبد الوهاب الشميري، وهو زائر لمتنزه السكون القريب، لـ"العربي الجديد"، عن أنه كان يسمع عن قرية الجن ويشعر برهبة كلما نظر إليها من أعالي المتنزه، لكن الفضول دفعه إلى الذهاب إليها لرؤية ما تبقى منها، رغم وعورة الطريق، وبمجرد وصوله لم يجد سوى عبقرية البناء الحجري اليمني والإطلالة المهيبة على أودية المقاطرة. المكان ليس مخيفاً، بل وجهة ساحرة لهواة التصوير ومستكشفي التاريخ الذين يبحثون عن هدوء بعيداً عن ضجيج المدن.
وهكذا، تحولت القرية اليوم من مكان يبعث على الخوف إلى أيقونة سياحية وتحفة أثرية يقصدها الزوار لاستكشاف نمط المعمار الحجري اليمني القديم وبساطته، والتمتع بالإطلالة المهيبة التي تمنح هذا المكان روحه وعزلته الساحرة.
العربي الجديد