"وجوه الفيوم"... آثار مصرية تنبض بالحياة في معرض بروما
امرأة أنيقة بعينين معبرتين، وشعر يلفه إكليل مذهب، ونظرات تنبض بالحياة هي بعض من "وجوه الفيوم"، اللوحات الجنائزية التي تعود لألفي عام، ورسمت على ألواح خشبية رقيقة لتوضع فوق المومياوات، تترقبها روما في معرض استثنائي هذا الأسبوع.
هذه اللوحات التي تعود للفترة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، ستعرض في العاصمة الإيطالية، في إطار ما يصفه المنظمون بأنه "محطة بارزة" في التعاون بين روما والقاهرة.
ويضم معرض "مصر وروما: وجوه الفيوم"، الذي يفتتح اليوم الأربعاء في متحف آرا باتشيس، مومياوات وأقنعة وأكفاناً ومجوهرات وتماثيل نصفية رخامية ومنحوتات، وتأتي غالبية المعروضات الأثرية من مصر، وبعضها يعرض خارجها للمرة الأولى.
وينطبق ذلك على لوحة "توندو الأخوين" المعارة من المتحف المصري في القاهرة، وهو بورتريه مزدوج خضع حديثاً للترميم ويعود لعهد الإمبراطور هادريان، ويصور شابين مجعدي الشعر، يحتمل أنهما شقيقان، بعيون مليئة بالتعبير.
ووصف أرفع مسؤول عن التراث الثقافي في روما كلاوديو باريسي بريشيتشه هذا العمل بأنه "تحفة مطلقة، وربما أهم عمل تصويري بقي لنا من العصور القديمة".
وقال باريسي بريشيتشه في مؤتمر صحافي أول من أمس الإثنين "إنها ألواح خشبية بسيطة، لا يتعدى سمك كثير منها بضعة مليمترات، مصنوعة من الخشب، واستخدمت لتصوير وجوه الأشخاص الذين كانوا يدفنون، من خلال أسلوب رسم بالغ الواقعية".
وترتبط هذه اللوحات بتقاليد الرسم الهلنستي، وكانت توضع فوق رأس المومياء وتثبت ضمن لفائفها، وتعود لفترة قصيرة نسبياً امتدت بين القرنين الأول والثالث الميلاديين، بعد أن أصبحت مصر ولاية تابعة لروما.
وفي حالات المزج بين الحضارتين العظيمتين، المصرية والرومانية، كثيراً ما تحمل وجوه الرجال والنساء والأطفال المرسومين ملامح مصرية، لكنهم يرتدون أزياء رومانية.
وجوههم نابضة بالحياة وموحية، سواء ظهرت عليها علامات الشيب والتجاعيد، أو رموش طويلة ووجنات ممتلئة لطفل صغير.
وقال الرسام الإيطالي التشكيلي أميديو موديلياني عن بورتريهات الفيوم "هؤلاء الناس ليسوا أمواتاً"، وأضاف "إنهم أكثر حياة من أولئك الذين يحدقون إليهم".
مرافقة الموتى
وتستكمل مقتنيات المعرض بأعمال فنية قادمة من متحف اللوفر، ومتحف المتروبوليتان للفنون، ومتحف جيه. بول غيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ، إلى جانب مقتنيات من متاحف دولية أخرى.
ولدى منطقة الفيوم، وهي منطقة خصبة في مصر على أطراف الصحراء، بيئة ساعد مناخها الجاف في حفظ الأخشاب المطلية والمنسوجات وأوراق البردي المعروضة في المعرض، على رغم هشاشتها.
ومن بين القطع المعارة من متحف اللوفر كفناً كتانياً استثنائياً، لا يزال محفوظاً بحالة قريبة من الأصل، يصور رجلاً واقفاً بين المومياء، التي سيؤول إليها مصيره، وبين أنوبيس، الإله ذو رأس ابن آوى الذي كان يتولى إرشاد الموتى إلى العالم الآخر.
وتتزين بعض النساء في اللوحات بمجوهرات فاخرة، مثل لوحة المرأة "إيزيدورا" العائد للقرن الأول الميلادي، إذ تعكس مكانتها الاجتماعية قلادة ذهبية مؤلفة من ثلاث طبقات ومرصعة بأحجار كريمة، إلى جانب أقراط من اللؤلؤ وتسريحة شعر مجعدة بعناية.
وقال باريسي بريسيتشي إن "أسئلة لا حصر لها" لا تزال مطروحة حول هذه اللوحات الآسرة، وتساءل "هل أنجزت هذه الأعمال في وقت مبكر ثم احتفظ بها إلى حين الوفاة؟ وهل رسمت عند دفن المتوفى؟ أم أنها كانت لوحات تعلق في المنازل والمساكن؟"، وأضاف أن العثور على مسمار في أعلى أحد اللوحات يجعل هذه الفرضية قابلة للتصديق.
من جانبه، قال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر هشام الليثي إن هذه الصور الآتية من زمن سحيق تمتلك قدرة فريدة على التأثير فينا، وأضاف "إنهم أناس مثلنا، ننظر إليهم وينظرون إلينا عبر ألفي عام"، وتابع "تلك هي قوة لوحات البورتريه".
ويستمر المعرض حتى الثاني من مايو (أيار) 2027.
اندبندنت عربية