3 سنوات من الإبادة.. الإعلام بغزة يدفع فاتورةً بدماء 263 صحفيا

على مدار 3 سنوات من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، دفع الصحفيون الفلسطينيون ثمنا باهظا لنقل الحقيقة، إذ قتلت إسرائيل منهم 263 إعلاميا، فيما أصيب واعتقل ونزح مئات آخرون، ودمرت غالبية المكاتب والمؤسسات الإعلامية في القطاع.


وفقد صحفيو غزة منازلهم ومقار عملهم وأفرادا من عائلاتهم، واضطر كثير منهم إلى التنقل بين مواقع القصف وخيام النزوح والمستشفيات لمواصلة التغطية الإعلامية.


ورغم هذه الظروف الصعبة، ظل الصحفيون المصدر الميداني الأساسي لنقل ما يجري في غزة، في ظل المنع الإسرائيلي المتواصل لدخول الصحفيين الأجانب.


ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في غزة قتلت خلالها أكثر من 74 ألف فلسطيني وأصابت ما يزيد على 175 ألفا في قطاع غزة، ودمرت نحو 90 بالمئة من البنية التحتية.

وفي 10 أكتوبر 2025 أُعلن عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة "حماس" وإسرائيل، إلا أن الأخيرة لم تلتزم به، وقتلت منذ ذلك اليوم 1454 فلسطينيا وأصابت 5 آلاف و90 آخرين، وفق وزارة الصحة.


263 قتيلا

مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، يقول للأناضول إن إسرائيل قتلت 263 صحفيا وإعلاميا خلال الإبادة التي ترتكبها في غزة.


ويضيف أن 50 صحفيا تعرضوا للاعتقال في السجون الإسرائيلية، لا يزال 23 منهم رهن الاعتقال.


ويتابع: "وهناك 3 صحفيين في عداد المفقودين، وهم نضال سهيل الوحيدي، وهيثم جمال عبد الواحد، وأحمد عصام الأغا".


ويوضح الثوابتة أن الهجمات الإسرائيلية ألحقت دمارا بـ16 مقرا لقنوات فضائية و11 مؤسسة إذاعية و12 مقرا لصحف ومجلات و23 مؤسسة إعلامية رقمية و27 مطبعة و5 مؤسسات نقابية وحقوقية معنية بالعمل الإعلامي.


ويُقدر خسائر القطاع الإعلامي جراء الحرب بنحو مليار دولار، تشمل المقرات والمعدات ومركبات البث والأجهزة التقنية.


وفي 7 سبتمبر/أيلول الماضي قال الاتحاد الدولي للصحفيين إن حصيلة القتلى الصحفيين بغزة هي الأكبر في تاريخ الصحافة الحديثة، موضحا أنه يراجع قوائمه ويحدثها عند ظهور معلومات جديدة.


نقابة الصحفيين

بدورها، قالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، في بيانات سابقة، إن من بين الصحفيين القتلى 27 صحفية، فيما أصيب قرابة 500 آخرين.


وتقدر النقابة عدد الصحفيين في قطاع غزة بنحو 1200، ما يعني أن أكثر من خمسهم قتلوا خلال الإبادة الجماعية.


وذكرت أن ما بين 60 و75 بالمئة من الصحفيين الأحياء في غزة فقدوا منازلهم أو تعرضوا لنزوح قسري، وقدرت عددهم بنحو 700 إلى 900 صحفي.


كما قدرت أن أكثر من 80 بالمئة من المكاتب والمؤسسات الإعلامية دمرت كليا أو جزئيا، ما دفع صحفيين إلى العمل من الخيام وأماكن النزوح والساحات المحيطة بالمستشفيات، وسط نقص الكهرباء والإنترنت ومعدات الحماية والتصوير.


محطات دامية

ووفق رصد للأناضول، شهدت حرب الإبادة سلسلة عمليات قتل صحفيين خلال تأديتهم عملهم أو وجودهم في مواقع التغطية والنزوح، ومن أبرزها:


عام 2023

بلال جاد الله: المدير العام لمؤسسة "بيت الصحافة"، قتل في نوفمبر/تشرين الثاني إثر قصف إسرائيلي استهدف مركبته بمدينة غزة.

كما أسهم جاد الله في تأسيس وكالة "سوا" الإخبارية، وعمل في تدريب الصحفيين وتوفير معدات السلامة المهنية لهم.


الشقيقان منتصر ومروان الصواف: قتل المصور المتعاون مع الأناضول منذ العام 2014 منتصر برفقة مروان مطلع ديسمبر/كانون الأول، في قصف إسرائيلي جنوبي مدينة غزة.

وقبل مقتله بأسبوعين، نجا منتصر من قصف إسرائيلي على منزل عائلته أودى بحياة والديه وعدد من أشقائه، وأصيب آنذاك في عينه وأنفه، لكنه واصل عمله الميداني.


وكان منتصر (مولود بالعام 1990)، متزوجا وأبا لطفلين، ودرس الصحافة والإعلام في جامعة الأقصى، فيما عمل شقيقه مروان في مجال إنتاج الأفلام الوثائقية.


سامر أبو دقة: مصور قناة الجزيرة، قتل في 15 ديسمبر جراء قصف إسرائيلي في خان يونس، إذ بقي مصابا لنحو 6 ساعات دون تمكن طواقم الإسعاف من الوصول إليه.

وفي حين تقيم أسرة أبو دقة في بلجيكا، اختار هو البقاء في قطاع غزة لمواصلة عمله الصحفي.


عام 2024

حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا: قتلا في يناير/كانون الثاني بقصف إسرائيلي استهدف مركبتهما غربي خان يونس، وحمزة هو نجل مدير مكتب قناة "الجزيرة" في غزة وائل الدحدوح.

وكان حمزة فقد والدته وأشقاءه في قصف إسرائيلي استهدف منزلا كانت تقيم فيه العائلة بمخيم النصيرات في أكتوبر/تشرين الأول 2023.


حسن حمد: مصور صحفي قتل في أكتوبر بقصف إسرائيلي شمالي قطاع غزة، بينما كان يعمل مع عدد من وسائل الإعلام.

ووصل جثمانه إلى مستشفى كمال عدوان أشلاء، وتعرف عليه شقيقه من شعره وسترته الصحفية.


عام 2025

سائد أبو نبهان: صحفي متعاون مع الأناضول قتل في 10 يناير برصاص قناص إسرائيلي أثناء عمله الصحفي والإنساني في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.

4 صحفيين في يوم: قتل الجيش الإسرائيلي في يونيو/حزيران الصحفيين سليمان حجاج، مراسل قناة "فلسطين اليوم"، وإسماعيل بدح، مصور القناة، وسمير الرفاعي، محرر وكالة "شمس نيوز"، في استهداف واحد.

وفي اليوم نفسه، توفي الصحفي يوسف النخالة من وكالة "الوطنية للإعلام"، متأثرا بإصابته بقصف إسرائيلي في 31 مايو/أيار 2025.


6 صحفيين بينهم الشريف وقريقع: قتل الجيش الإسرائيلي في 10 أغسطس/آب 6 صحفيين، بينهم مراسلا قناة "الجزيرة" أنس الشريف ومحمد قريقع، بغارة استهدفت خيمة قرب "مستشفى الشفاء" غربي مدينة غزة.

وبرز الشريف خلال الحرب بصفته مراسلا ميدانيا نقل مشاهد القصف والمجاعة والنزوح في مناطق شمالي قطاع غزة التي واجهت بداية الحرب عملية عسكرية جوية وبرية مكثفة.


أما قريقع فعمل مع وسائل إعلام محلية قبل انضمامه إلى "الجزيرة"، وفقد والدته خلال اجتياح الجيش الإسرائيلي مستشفى الشفاء في مارس/آذار 2024.


5 صحفيين في مستشفى ناصر: قتل الجيش الإسرائيلي في 25 أغسطس، في غارة على "مستشفى ناصر" بمدينة خان يونس، الصحفيين مريم أبو دقة، وحسام المصري، ومحمد سلامة، ومعاذ أبو طه، وأحمد أبو عزيز، وذلك في أثناء القيام بمهامهم.

ضحايا وقف إطلاق النار

أظهرت معطيات المكتب الإعلامي الحكومي أن حصيلة الصحفيين الفلسطينيين القتلى ارتفعت من 254 إلى 263، بفارق 9 صحفيين بعد وقف إطلاق النار.


وفي 13 أكتوبر 2025 وثق المكتب الإعلامي أول عملية قتل لصحفي خلال الهدنة، وهو صالح الجعفراوي الذي قتل برصاص "عصابات" مسلحة مرتبطة بإسرائيل خلال تغطيته الصحفية في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة.


ومن الصحفيين الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي خلال العام 2026 مراسل "الجزيرة" محمد وشاح في أبريل/نيسان، وشقيقه أحمد، مصور "القناة" في 20 يونيو/حزيران، والصحفيون آمال الشمالي وأنس غنيم وعبد الرؤوف شعت ومحمد قشطة.

"صحافة بلا جدران"

وإلى جانب الخسائر البشرية، غيرت الإبادة الجماعية بيئة العمل الصحفي في غزة بصورة جذرية.


فبعد تدمير منازل ومقار ومعدات إعلامية، اضطر كثير من المراسلين والمصورين إلى العمل من خيام النزوح وساحات المستشفيات، والتنقل مع عائلاتهم حاملين ما تبقى من معداتهم.


وأطلقت نقابة الصحفيين على هذا الواقع وصف "صحافة بلا جدران"، في إشارة إلى فقدان مئات الصحفيين منازلهم ومكاتبهم ومواصلة العمل من أماكن النزوح.